يعيش لبنان على وَقع الاغتيالات ولا يتعب القاتل من القتل. بالنسبة إليه، المأدبة مفتوحة والوليمة من لحوم البشر. كلّ عمليّة اغتيال جديدة هي طعنة إضافيّة في جسد بلد مُدَمَّى ومُنهَك، بل هي طعنة موجّهة إلى الموضع نفسه دائماً، والمقصود منها ألاّ يلتئم الجرح ليكون الموت مديداً، كما الحال في لبنان منذ خمسة وأربعين سنة. هكذا يُحاصَر الناس في مكان واحد محدّد ويصبحون رهينة الرأي الواحد المُطْلَق. مَن لا يقتلونه يُرعبونه ويدفعونه نحو اليأس التامّ والصمت والهجرة. أمّا الضحايا فيموتون مرّتين: مرّةً أُولى حين يُقتَلون، ومرّةً ثانية حين يجد أهلهم أنّ مَن قتلهم لا يزال يتحكّم ببلدهم وبحياة الذين لم يُقتلوا بعد. مَن قتلهم ينقلهم من كارثة إلى أخرى، ومن موت إلى آخر، ويعمل باستمرار على ترهيبهم. لكن ثمّة بين الذين وُلدوا في تلك الأرض من لا يهاب الترهيب ولا الموت. الذين يموتون من أجل الحرّيّة هم أكثر من يعرف أنّ الحرّيّة لا تموت. في هذه الحال- وفي هذه الحال بالتحديد- يكون المقتول أقوى من القاتل، وكلماته أقوى من الرصاص.
في هذه المقالة، نترك الكلمة للشعر وننقل عن الفرنسيّة والإسبانيّة نصوصاً تحكي معاناة الإنسان في ظلّ آليّة العنف والقتل، بلغة الخيال المضادّة، وهي اللغة الإنسانيّة بامتياز.

ناديا تويني
مطلع قصيدة "بيروت" والخِتام"سواء أكانت وَدُودة، عالِمَة أو وَرِعَة،
شبه جزيرة الأصوات والألوان والذَّهَب،
مدينة تجاريّة ووَرديّة تُبحر كطَوّافة
تبحث في الأفق عن حنانِ مرفأ،
ماتت ألف مرّة، وعاشت ألف مرّة من جديد.
بيروت المئة قصر و"بِيرِيت" الحجارة
يأتون إليها من كلّ مكان لينصبوا هذه التماثيل
التي تجعل البشر يُصَلُّون والحروبَ تَعوي".
" بيروت، في الشرق، هي الملاذ الأخيرحيث يستطيع الإنسان دائماً أن يرتدي الضّوء".

فيديريكو غارثيا لوركا
أرضنتقدّم فَوق مرآة
لا انعكاس فيها،
فَوق بلّور
بلا غيوم.
لو وُلِدَ السَّوسَن
مَقلوباً
والوردة أيضاً.
نَصيرُ كالبَجَع.
تنظر الجذورُ إلى النجوم
ولا يغمض للموتِ جَفن.
نَزْوَة
وراء كلّ مرآة
نجمةٌ ميتة
قَوسُ قُزَح كَوَليدٍ ينام.
وراء كلّ مرآة
هدوءٌ أبديّ
وعشُّ صَمتٍ
لا يُحَلِّقُ أبداً.
المرآةُ مومياءُ النبع
تَنغلِقُ ليلاً
صَدَفَةٌ من نور.
المرآةُ ندى الصّباح
كتابٌ يُشَرِّحُ الغروبَ
والصّدى الذي صارَ جسداً.

جورج شحادة
آه يا حبّي، ما من شيء نحبّه
إلّا ويمضي كالظلّ
كتلك الأراضي البعيدة حيث ننسى أسماءنا
لا شيء يحتفظ بنا
كذلك المنحدَر من الشربين حيث ينام
أطفال من معدن، زُرْق وموتى.
إلى الذين يمضون لينسوا منازلهم
وجدارَ الظلال الأليف
أُعلنُ السهلَ والمياهَ الصدئة
وكتابَ الحجارة الكبير
لن يدركوا
- ما عدا الحديد وحديقة الأشكال
الليل السعيد بنقله العوالم
العمر في الراحة كالنسغ.
لا نشيد لهموإنّما ندى البحر المشتعِل
وإنّما الحزن الأبديّ للينابيع.

بابلو نيرودا
(في العام 1937، إبّان الحرب الأهليّة الإسبانيّة، كتب بابلو نيرودا قصيدته "نشيد إلى أمّهات المقاتلين الموتى"، وقرأها أمام أصدقائه في باريس في العام نفسه. في ذلك اللقاء، تحدّث عن فيديريكو غارثيا لوركا وكان مضى أقلّ من عام على مقتله).
مَقطَع:
"لم يموتوا. إنّهم وَسط البارود
واقفين، مشتعلين كفتائل
ظلالُهم الصافية اتَّحدَت في المَرج المُلَوَّن بالنُّحاس
كستارٍ من الريح المُصفّحة
كسَدّ بلَون الغضب
كالصدر نفسه، صدر السماء غير المرئيّ.
أيّتها الأمّهات! إنّهم واقفون في القمح،
عالياً كالظهيرة العميقة،
مُشرفين على السهول الواسعة!
إنّهم دقّاتُ أجراس مُعتمة الوَقع
تُعلنُ، عبرَ الأجساد الفولاذيّة المقتولة،
ساعةَ النّصر".

خراب المدينة
من المراثي الأكاديّة لمدينة بابل:
«البكاء على خراب مدينة أور وبلاد سومر»
(المرجع: «عندما يصنع الآلهة الإنسان، الأساطير السومريّة»، جان بوتيرو وصموئيل نواه كرامر).
«في ذلك اليوم، اجتاحتِ العاصفةُ البلادَ
والشعبُ صَعَّدَ الأنين
الناسُ بعيونٍ دامعة ينوحونَ رِثاءً لكِ
مريرٌ حقّاً تَفجُّعُ المدينةِ المهدَّمة
تَفجُّعاً مريراً لرثائِكِ أُنشِدُ.
كمِثْلِ شفاهِ غِزْلانٍ أطبقَتْ عليها الأَفخاخُ
كانَ الترابُ يُمَرِّغُ شفاهَهُم
كمِثْلِ نساءٍ في مكانِ ولادَتِهم
كانوا في دمائهم يَصرُخون.
طرحتِ العاصفةُ الهاربينَ أرضاً
والشعبُ صَعَّدَ الأنين
انهارَ بناءُ البلادِ والشعبُ صَعَّدَ الأنين».