المخرج رمال أبي يونس

السماء لدونالد ترامب والأرض لجوزف عون

8 دقائق للقراءة

في السياسة ليست كل الطائرات متشابهة، هناك طائرات تقلّ ركاباً، وأخرى تحمل رسائل، وثالثة تغيّر وجه التاريخ.

مجرد طائرة أقلعت من أثينا بإتجاه روما، كانت بداية TWA 847تكن رحلة في منتصف حزيران عام 1985 لم

واحدة من أكثر الأزمات الأمنية التي هزّت العالم، بعدما اختُطفت وأُجبرت على الهبوط في مطار بيروت.

هناك تحولت الطائرة إلى رهينة، بعد أن اختطفها أربعة مسلحين قيل إن بينهم عماد مغنية أبرز قادة حزب الله العسكريين،

قُتل خلالها غواص في البحرية الأميركية، وبعدها تحول لبنان إلى عنوان للخطف والمفاوضات والسلاح، طالب عندها الخاطفون بالإفراج عن سجناء من حزب الله وحزب الدعوة العراقي في السجون الكويتية، فيما لعب حينها زعيم حركة أمل نبيه بري دور المفاوض الرئيسي لإنهاء الأزمة، واللافت أيضا أنه بعد أن طوى الزمن واحدا وأربعين عاما في حياة اللبنانيين، لا يزال الرئيس نبيه بري يفاوض ولا يزال حزب الله يهدد.

وبالعودة الى الحادثة فهي لم تكن حادثة أمنية عابرة، بل لحظة غيّرت نظرة الولايات المتحدة إلى لبنان لعقود طويلة.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد واشنطن ترى مطار بيروت مجرد منشأة مدنية، بل اعتبرته مطاراً يقع في قلب منطقة تتداخل فيها الدولة مع السلاح، والسيادة مع النفوذ، والقرار الرسمي مع موازين القوى على الأرض.

أُغلقت السماء بين واشنطن وبيروت، وغابت الرحلات الأميركية المباشرة أكثر من واحد وأربعين عاماً بعدما أصبحت الاعتبارات الأمنية تتقدم على كل الحسابات السياسية والاقتصادية.

اليوم يبدو أن التاريخ يكتب سطراً جديداً... فالمشهد يعود بصورة معاكسة تماماً، فالرئيس الأميركي أعلن السماح للشركات الأميركية بتسيير رحلات مباشرة إلى بيروت، بعد زيارة وُصفت بالناجحة للرئيس اللبناني جوزف عون إلى واشنطن.

قد يرى البعض أن القرار يتعلق بالطيران المدني، لكن من يقرأ السياسة بعين الطيران يعرف أن الأمر أكبر بكثير من رحلة تٌقلع من مطار وتهبط في آخر.

فالطائرات في السياسة ليست مجرد وسائل نقل بل مؤشرات ثقة، وعندما تسمح الولايات المتحدة لشركاتها الوطنية بالهبوط في بلد ما، فهي لا تمنح المسافرين مقاعد إضافية فحسب، بل تمنح الأسواق رسالة، والمستثمرين إشارة، وشركات التأمين ضمانة، والمؤسسات المالية مؤشراً بأن هذا البلد بدأ يستعيد جزءاً من استقراره.

لذلك بدأت الإدارة الأميركية برسم صورة الشرق الأوسط الجديد، ففي سوريا تغيرت الوقائع السياسية والعسكرية، وأصبحت البلاد تدخل مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الدولة وإعادة فتح أبواب الاقتصاد بعد سنوات الحرب.

وفي لبنان تحاول السلطة الجديدة برئاسة العماد جوف عون إعادة ترميم مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المجتمعين العربي والدولي، في وقت يتحول فيه شرق المتوسط إلى أحد أهم ميادين الصراع على الطاقة والممرات البحرية والنفوذ الاقتصادي. لذلك فإن واشنطن لا تنظر إلى بيروت كعاصمة صغيرة على المتوسط، بل كقطعة أساسية في لوحة إقليمية أكبر، تمتد من دمشق إلى قبرص، ومن البحر المتوسط إلى الخليج فبيروت هي حجر الأساس الذي يتمتد من أمن الحدود، إلى الموانئ، إلى الغاز، إلى خطوط التجارة، وإلى النفوذ السياسي.

لهذا السبب تحديداً، لا يجوز قراءة زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن بمنظار البروتوكول، فاللقاءات السياسية قد تنتهي بابتسامة أمام الكاميرات، أما نتائجها الحقيقية فتظهر لاحقاً على الأرض، وأولى هذه النتائج إذا اكتملت إجراءاتها هي إعادة فتح خط جوي انقطع منذ أكثر من أربعة عقود. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو...

هل أعادت واشنطن فتح السماء فقط أم بدأت تفتح الطرقات للبنان؟

اقتصادياً، لا يمكن التقليل من أهمية هذه الخطوة إذ تبدو الصورة أكثر إشراقاً إذا أُحسن استثمارها، فالرحلات المباشرة تعني أن مئات آلاف اللبنانيين في الولايات المتحدة سيصبحون أقرب إلى وطنهم، وتعني أن المستثمر الأميركي سيقرأ مؤشراً جديداً، وأن شركات التأمين ستعيد تقييم المخاطر، وأن قطاع الفنادق والسياحة والخدمات سيستفيد، وأن حركة الشحن الجوي قد تستعيد جزءاً من دورها، فالاقتصاد لا يعيش على البيانات السياسية، بل على الثقة، والثقة تبدأ أحياناً بخط جوي لكن الاقتصاد وحده لا يفسر المشهد، أما شركة طيران الشرق الأوسط، فهي تمتلك الإمكانات التقنية لتشغيل الرحلات الطويلة، بعدما سبق لها تشغيل خطوط مباشرة إلى نيويورك، إلا أن العودة هذه المرة لا ترتبط فقط بقدرة الشركة أو نوع الطائرات،

بل بمنظومة كاملة تبدأ بالأمن، ولا تنتهي عند الجدوى الاقتصادية، وكلفة التشغيل، وأسعار الوقود، وحجم الطلب، وشروط التأمين.

نفهم هنا أن الولايات المتحدة لا تتحرك في الشرق الأوسط بدافع السياحة، بل هي تتحرك حيث توجد المصالح.

وهنا يبدأ الجزء الأكثر حساسية، هل نحن أمام انفتاح أميركي طبيعي على لبنان؟ أم أننا أمام إعادة رسم لخريطة النفوذ الأميركي الأكبر؟

منذ استقلال لبنان، لم يعرف هذا البلد يوماً فراغاً دولياً، فالتاريخ اللبناني أكثر تعقيداً من أن يُختصر بدولة واحدة.

ففرنسا لا تزال تعتبر نفسها صاحبة العلاقة التاريخية مع لبنان. والولايات المتحدة تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً ومالياً واسعاً. روسيا رغم انشغالها لا تزال تنظر إلى شرق المتوسط بوصفه منطقة نفوذ استراتيجي. والصين تراقب المرافئ والبنية التحتية بعين مشروعها التجاري العالمي. فيما تعود الدول الخليجية تدريجياً إلى الاستثمار بعد سنوات من التردد.

من هنا، قد لا يكون السؤال الحقيقي هل أصبح لبنان تحت الوصاية الأميركية؟

بل ربما السؤال الأدق هو هل دخل لبنان مرحلة إعادة توزيع النفوذ الدولي؟

فالدول الكبرى لا تستثمر في الفراغ، ولا تتحرك بدافع العواطف. لكل دولة مصالحها، ولكل قوة حساباتها. وإذا كانت الولايات المتحدة اليوم تفتح نافذة جديدة مع بيروت، فإن ذلك لا ينفصل عن رؤيتها لأمن شرق المتوسط، والطاقة، والاستقرار الإقليمي، وموازين القوى في المنطقة.

في المقابل، يبقى أمام واشنطن اختبار بالغ الصعوبة، فالقرار الأميركي يصطدم بحقائق لبنانية لا تزال قائمة،

فمطار رفيق الحريري الدولي لا يزال يقع بمحاذاة الضاحية الجنوبية. ورغم الإجراءات الأمنية التي اتخذتها الدولة اللبنانية، وتعيين قيادة جديدة لأمن المطار، فإن الثقة الدولية لا تُبنى بالقرارات الإدارية وحدها.

يكفي أن نتذكر تصريحات نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، الوزير السابق محمود قماطي، الذي هدد بمنع هبوط الطائرات في مطار بيروت إذا استمرت الدولة اللبنانية بمنع الطائرات الإيرانية من الهبوط، كما جدد رفضه حصر السلاح بيد الدولة واعتباره قرار " مولود ميت".

وهنا تكمن العقدة، فالطائرات الأميركية قد تعود، لكن شركات التأمين العالمية لن تغيّر حساباتها إذا بقي قرار الأمن موضع نزاع، وشركات الاستثمار لن تضخ مليارات الدولارات إذا بقي المستثمر يشعر بأن الدولة ليست صاحبة القرار النهائي،

لذلك فإن نجاح هذه الخطوة لا يتوقف على واشنطن وحدها بل على بيروت أولاً ومع ذلك، فإن الباب الذي فتحه الرئيس ترامب في السماء قد يفتح أبواباً أخرى بقيادة الرئيس عون على الأرض وهنا تبدأ الأسئلة الكبرى.

هل ستكون عودة الطيران الأميركي مقدمة لتحرك سياسي أميركي أوسع؟ وهل يعتبر الرئيس ترامب أن نجاح زيارته مع الرئيس جوزاف عون يستوجب استكمال المسار عبر ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية لدفعها نحو استكمال الانسحاب من الأراضي اللبنانية بما يعزز الاستقرار على الحدود الجنوبية؟ وهل يتطور هذا الانفتاح إلى شراكة اقتصادية فعلية؟ فتعود الشركات الأميركية إلى المياه اللبنانية لاستئناف أعمال التنقيب عن النفط والغاز، في وقت أصبحت فيه ثروات شرق المتوسط جزءاً أساسياً من الأمن الاقتصادي العالمي؟

إذا حدث ذلك، فلن تكون القضية مجرد عقود تنقيب، بل انتقال لبنان من هامش الخريطة الاقتصادية إلى قلبها، وقتها فقط لن يكون خط واشنطن بيروت مجرد رحلة جوية، بل ممراً للاستثمارات وللدبلوماسية وللطاقة ولإعادة رسم موقع لبنان في المنطقة... إنه اختبار لولادة مرحلة جديدة.

قبل واحد وأربعين عاماً، خُطفت طائرة أميركية فوق سماء لبنان، فأُغلقت أبواب واشنطن في وجه بيروت.

واليوم تُفتح السماء من جديد، لكن التاريخ لا يقيس المسافات بعدد الرحلات، بل بقدرة الدول على حماية قرارها.

فإذا نجح لبنان في استعادة سيادة دولته، فقد تكون الطائرة الأميركية الأولى بداية عودة العالم إليه، أما إذا بقيت الدولة تتقاسم قرارها مع قوى أخرى، فلن يكون الخط الجديد سوى رحلة إضافية تعبر سماءً لا تزال تبحث عن وطنٍ كامل السيادة.

لكننا رغم كل ما مرّ على هذا الوطن من انهيارات وجراح، ما زلنا نتمسّك بالأمل بفخامة الرئيس جوزف عون. ونراهن على صدقه، ووفائه، ورؤيته، وإرادته في إعادة بناء الدولة واستعادة هيبتها. ونشدّ على يده ليواصل مسيرته بثبات، من دون خوف أو تردد أو مساومة، لأن لبنان يقف اليوم على مفترق مصيري، بين دولةٍ تُبعث من تحت الركام، أو وطنٍ يواصل انحداره نحو الهاوية. لقد آن الأوان لإنقاذ لبنان من الموت، وإنقاذ شعبه من الهلاك، فهذه الأرض التي خُلقنا عليها أحرارًا وأسيادًا، لم تعد تحتمل أن ترى أبناءها يعيشون عليها كأنهم غرباء أو عبيد للفقر والخوف والفساد.