ترك الرئيس الأميركي دونالد ترامب المنطقة في حالة ضبابية، أمس، مع إعطائه فرصة للوسطاء لتحقيق خرق في جدار الخلاف بين واشنطن وطهران، لكنه أبقى خيار التصعيد قائمًا إذا لم تنجح المحادثات، متوعّدًا الإيرانيين بهزيمة ساحقة. ورغم وقف النار لثلاثة ليال تواليًا بين أميركا وإيران، يبدو أن نظام الجمهورية الإسلامية يوجّه رسائل بالنار عبر أذرعه الإرهابية، فقد أفادت السعودية والأردن، أمس، بتعرّضهما لهجمات بطائرات مسيّرة، ما يؤكّد هشاشة الوضع القابل للاشتعال السريع في أي لحظة. ووسط هذه الأجواء، يلتقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب اليوم في البيت الأبيض، حيث سيكون الملف الإيراني الطبق الرئيسي.
وأعرب ترامب عن تفاؤله بفرص التوصّل إلى اتفاق عبر التفاوض مع إيران، وقال على متن "إير فورس وان": "لديّ الكثير من الصبر... سنرى ما سيحدث"، مبديًا اعتقاده أن "هناك فرصة جيّدة لحدوث شيء ما"، بيد أنه تدارك: "إذا لم يحدث ذلك، فسنعود إلى ما كنا نفعله قبل يومين"، أي قصف إيران. وكان الرئيس الجمهوري قد أوضح لموقع "أكسيوس" أن الدول الوسيطة طلبت منه وقف النار لمنح الدبلوماسية فرصة، متحدّثًا عن خوض "محادثات معمّقة جدًا مع إيران". إلّا أنه حذّر من أنه "إذا لم تنجح، فسنعود إلى عمل عسكري قوي جدًا"، مؤكدًا أنه لن ينتظر طويلًا حتى تؤتي المحادثات ثمارها. وقلّل ترامب من شأن الكلام عن نقص محتمل في الذخيرة لدى الجيش الأميركي.
في الأثناء، ذكرت الخارجية الإيرانية أن الوسطاء قد "ينقلون إلينا رسالة من الجانب الأميركي بشأن التطورات الجارية في المنطقة. لكن في الوقت الحالي، لا نجري أي مفاوضات مع الولايات المتحدة". بالتوازي، أوضح نتنياهو أن لقاءه المرتقب مع الرئيس الأميركي اليوم سيكون الثامن لهما خلال ولاية ترامب الثانية، مؤكدًا أنه سيناقش مع ترامب "كلّ القضايا المطروحة، وفي مقدّمها إيران". وجزم بأن "هدفنا واضح: حماية أمن إسرائيل، وتعزيز قوّتها، وتوسيع دائرة السلام من حولنا".
وعلى رغم الهدوء النسبي القائم، تعرّضت السعودية لهجوم بمسيّرات آتية من العراق، أعلنت الدفاع السعودية أنها اعترضتها بينما كانت في طريقها إلى منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض. وطالبت الخارجية السعودية الحكومة العراقية بمنع استخدام أراضيها لشنّ أي هجمات على المملكة. وإثر ذلك، وجّه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي "بالتحقيق في ما جاء ببيان وزارة الدفاع"، مشدّدًا على رفض بغداد "استخدام الأراضي العراقية ممرًّا أو منطلقًا لأي اعتداء يستهدف الدول الشقيقة أو الصديقة". ودانت الوسيطة باكستان الهجمات على المملكة، معتبرةً أنها "تشكّل تهديدًا خطيرًا للسلام والاستقرار" في المنطقة.
وبعيد الإعلان السعودي عن اعتراض مسيّرات من العراق، أعلن الحوثيون شنّ هجمات جديدة على بنى تحتية نفطية لنقل النفط من شرق المملكة المطلّ على الخليج إلى ينبع، مركز التصدير على الساحل الغربي على البحر الأحمر، وذلك ردًّا على ما وصفه الحوثيون باختراق المسيّرات السعودية للأجواء اليمنية. وفي تطوّر آخر، أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه اعترض طائرتَين مسيّرتَين قرب الحدود مع الأردن، مشيرًا إلى تحقيقات جارية للتأكد من الجهة التي أُطلقتا منها، في حين أكد الجيش الأردني إسقاطهما.
ولا تزال مسألة السيطرة على مضيق هرمز تشكّل عقبة رئيسة أمام أيّ تسوية محتملة بين أميركا وإيران، إذ تشدّد طهران على أن حركة الملاحة في المضيق لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب. وأعاد "الحرس الثوري" في الأيام الأخيرة سفنًا عدّة أدراجها، آخرها ست سفن مُنعت من المرور عبر مسار مغاير لذلك الذي حدّدته طهران، وفق ما ادّعى التلفزيون الرسمي أمس. وتوعّد "مقرّ خاتم الأنبياء" بأنه لن يترك أي تهديد أميركي من دون ردّ. في المقابل، أعادت القيادة المركزية الأميركية توجيه 17 سفينة تجارية، وعطّلت سفينتين، وصعدت على متن سفينتين لضمان الامتثال، منذ إعادة فرض الحصار على إيران. ومنح وقف إطلاق النار الموَقت قطاعَي الشحن البحري والنفط في الخليج متنفّسًا. وتراجعت أسعار النفط، أمس، فيما انتعشت أسواق الأسهم العالمية، في تطوّر يعكس ارتياح المستثمرين لتوقّف القتال.
إلى ذلك، أعلنت قوات الأمن الإيرانية أمس أنها قتلت أربعة من أعضاء حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك)، الذي تصنّفه طهران "إرهابيًا"، خلال اشتباكات في غرب البلاد قرب الحدود مع العراق. بالتزامن، دعا خبراء من الأمم المتحدة إيران إلى إلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحق 12 شابًا على صلة بالاحتجاجات المطالبة بإسقاط النظام، التي شهدتها الجمهورية الإسلامية في كانون الثاني الفائت.