خاص "نداء الوطن" - مجلس بلدية بيروت يرفض اختزال ملف الفرز ولا يرضخ للضغوط

5 دقائق للقراءة
مجلس بلدية بيروت

عاد ملف معمل الفرز في الكرنتينا إلى واجهة السجال السياسي والإعلامي، بعدما حاولت بعض التقارير ربط قرار مجلس بلدية بيروت بالتريث في تشغيل المعمل بأزمة جمع وكنس النفايات، وتصوير الأمر على أنه خلاف سياسي بين مكونات المجلس البلدي. إلا أن الوقائع التقنية والإدارية تشير إلى صورة مختلفة تماماً.

أولاً، لا بد من التأكيد أن معمل الفرز في الكرنتينا متوقف عن العمل منذ فترة طويلة، ولم يؤثر توقفه في أي مرحلة على عمليات جمع النفايات أو كنس شوارع العاصمة، والتي استمرت بشكل مستقل عن تشغيل المعمل. وبالتالي، فإن محاولة ربط عقود جمع وكنس النفايات بقرار تشغيل معمل الفرز لا تستند إلى أي أساس عملي أو تقني، لأنهما ملفان منفصلان بالكامل.

أما من الناحية الفنية، فإن معمل الكرنتينا، حتى بعد إعادة تأهيله، لا تتجاوز قدرته على فرز النفايات نحو 10% في أفضل الأحوال، وهي نسبة محدودة بحد ذاتها ولا تكفي لإحداث فارق جوهري في إدارة النفايات. ويزداد ضعف جدوى تشغيله في ظل غياب معامل التسبيخ والمعالجة وعدم حسم مواقع الطمر النهائية، بما يعني أن تشغيله بمعزل عن استكمال بقية حلقات إدارة النفايات لن يحقق الأهداف البيئية المرجوة، بل قد يؤدي إلى إنفاق المال العام على مرحلة غير مكتملة وذات فعالية محدودة.

صحيح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) سبق أن موّل إعادة تأهيل المعمل بعد انفجار مرفأ بيروت، إلا أن قبول الهبة لا يعني تلقائياً وجوب تشغيل المنشأة قبل استكمال منظومة المعالجة بكامل عناصرها. فإدارة النفايات ليست مجرد تشغيل معمل فرز، بل هي سلسلة متكاملة تبدأ بالجمع والفرز، مروراً بالتسبيخ والمعالجة، وصولاً إلى الطمر الصحي وفق خطة وطنية واضحة.

من هذا المنطلق، يرفض مجلس بلدية بيروت اتخاذ قرار متسرع بتشغيل المعمل قبل توافر رؤية متكاملة تتضمن الخطة الوطنية، ودفاتر الشروط، وآليات التمويل، ودور كل من الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة ومجلس الإنماء والإعمار. فهذه الملفات تدخل ضمن مسؤوليات الدولة المركزية، ولا يجوز تحميل بلدية بيروت وحدها مسؤولية قرارات استراتيجية بهذا الحجم، خصوصاً أنها تخص العاصمة ويأتي تمويلها من الدولة المركزية.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن نواب بيروت، خلال اجتماعاتهم مع رئيس الحكومة، لم يرفضوا تطوير إدارة النفايات، بل طرحوا هواجس وأسئلة مشروعة تتعلق بجدوى تشغيل المعمل في المرحلة الحالية، إضافة إلى مناقشة البدائل المستقبلية، ولا سيما في ظل الحديث عن احتمال الحاجة إلى موقع معمل الكورال ضمن مشروع توسعة مرفأ بيروت. لذلك جاء قرار المجلس البلدي بالتريث انتظاراً لصدور الخطة الشاملة، وليس رفضاً لمبدأ تطوير إدارة النفايات.

كما تشير المصادر إلى أن العلاقات بين مكونات مجلس بلدية بيروت تتسم بدرجة عالية من التعاون والتنسيق، وأن النقاشات القائمة حول بعض الملفات هي نقاشات طبيعية داخل أي مجلس منتخب، ولا تعكس انقسامات سياسية كما تحاول بعض الروايات الإيحاء، لا سيما بين القوى الحليفة، بل إن مستوى التعاون داخل المجلس يتجاوز في كثير من الأحيان الانقسامات السياسية التقليدية بين الخصوم أنفسهم. ويؤكد ذلك استمرار التنسيق بين مختلف القوى السياسية الممثلة أو الداعمة للمجلس في مقاربة الملفات البلدية وفق الأصول القانونية والإدارية.

وفي هذا السياق، تؤكد المصادر المطلعة أن العلاقة بين النائب فؤاد مخزومي وحزب القوات اللبنانية داخل المجلس البلدي قائمة على التنسيق والتعاون الكامل، وأن ما يجري تداوله عن خلافات بين الجانبين لا يعدو كونه محاولات لتأويل نقاشات طبيعية تحصل داخل أي مؤسسة ديمقراطية إلى صراعات سياسية غير موجودة في الواقع.

ويثير الاستغراب الإصرار على ممارسة ضغوط إعلامية وسياسية لدفع المجلس البلدي نحو اتخاذ قرار سريع بشأن تشغيل معمل الفرز، في وقت لم تستكمل فيه الدولة عناصر الخطة الوطنية لإدارة النفايات ومصادر تمويلها. كما يلفت الانتباه تكرار مطالبة الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة بلدية بيروت بحسم موقفها من المعمل، قبل إنجاز ملفات المعالجة والتسبيخ، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطق ترتيب الأولويات في هذا الملف.

كل هذه المعطيات توحي بأن الضغوط الإعلامية والسياسية الهادفة إلى فرض تشغيل معمل لا يحقق سوى نسبة فرز محدودة، تتجاوز مجرد الحرص على تحسين إدارة النفايات، وتثير تساؤلات حول وجود جهات مستفيدة من إبقاء هذا الملف في دائرة التجاذب. كما يبدو أن بعض هذه الحملات يهدف إلى تشويه صورة العلاقات القائمة بين القوى السياسية الداعمة للمجلس البلدي، أو ممارسة ضغط سياسي وإعلامي لدفعه إلى اتخاذ قرارات قبل استكمال الدراسة الفنية والقانونية اللازمة، وهو النهج الذي يرفضه المجلس انطلاقاً من التزامه بالشفافية وحسن إدارة المال العام.

إن معالجة أزمة النفايات لا تكون عبر تحويل معمل الكرنتينا إلى قضية سياسية أو إعلامية، ولا عبر اختزال المشكلة في تشغيل منشأة لا تمثل سوى جزء محدود من منظومة الإدارة المتكاملة. المطلوب اليوم هو وضع خطة وطنية شاملة تحدد مسار المعالجة، ومواقع الطمر، وآليات التمويل، وتوزيع المسؤوليات بين الجهات المختصة، بما يسمح باتخاذ قرارات مدروسة ومستدامة.

أما تصوير التريث في تشغيل معمل لا تتجاوز فعاليته 10% على أنه سبب لأزمة جمع النفايات أو دليل على خلافات داخل المجلس البلدي، فهو طرح يتجاهل الوقائع التقنية والإدارية، ويبتعد عن النقاش الموضوعي المطلوب لمعالجة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في لبنان.