تطويب البطريرك الياس الحويك أعاد التذكير بدوره في "مؤتمر فرساي"، وما سبق مشروع لبنان الكبير ورافقه وتلاه من مداولات ومواقف وآراء. لكن خارطة ما بعد المتصرفية، التي كانت تضيق أو تتوسع بقلم رئيس الوزراء الفرنسي كليمنصو "النمر"، انتهت على قياس خارطة الأركان الفرنسية منذ العام 1860. وما كان على الجنرال غورو ترتيبه قبل إعلان لبنان الكبير على درج قصر الصنوبر في أول أيلول 1920 هو الزحف بجيشه على دمشق وإسقاط مملكة فيصل العربية. فما جرى فرضه بالقوة ليس فقط على دمشق، بل أيضًا على بيروت وطرابلس. وما بدا يوم الاستقلال أنه صار من الماضي بالنسبة إلى المواقف الرافضة، ظهر أنه لا يزال في الحاضر، وليس غائبًا عن أسئلة المستقبل.
ذلك أن لبنان اليوم ليس لبنان البطريرك الحويك، ولا لبنان الاستقلال، ولا لبنان الطائف، وإن بقيت الجغرافيا ثابتة. فالجغرافيا السياسية تغيرت. والدور تبدل. والأحداث والتجارب والحروب التي مرت، وبعضها لا يزال مقيمًا، أكدت أن القوى الإقليمية تتصرف كأن لبنان مجرد مساحة جغرافية، لا دولة لها سيادة. هكذا تصرفت المنظمات الفلسطينية المسلحة، وإسرائيل المحتلة، وسوريا المهيمنة. وهكذا يتصرف "حزب الله" المرتبط بالحرس الثوري الإيراني والجمهورية الإسلامية وكل "محور المقاومة".
وليس أمرًا قليل الدلالات أن يبحث الرئيس دونالد ترامب، بعد كل ما فعله نظام الأسد بلبنان، عن دور عسكري لسوريا الجديدة فيه، برئاسة أحمد الشرع، بل أن يكرر الأمر خلال استقباله رئيس الجمهورية جوزاف عون في البيت الأبيض. وليس خارجًا عما صار من المعتاد أن يرفض "حزب الله" تسليم سلاحه للدولة، ويصر على الإمساك بقرار الحرب والسلم، ويشن حربًا لإسناد إيران، ولو قادت حربه إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي. وقمة السخرية بالوطن والوطنية أن تدعو أحزاب طائفية، وحتى دينية، إلى المواطنة وإلغاء الطائفية السياسية، وأن يصبح الارتباط العضوي بإيران معيار الوطنية واتهام الآخرين بالخيانة.
والمشكلة ليست فقط الفشل قبل الطائف ومعه وبعده في بناء دولة، بل أيضًا استحالة تطبيق أي صيغة تفرضها الوقائع أو تقدمها العقول الإبداعية. حتى الجدل الذي خف في الماضي حول لبنان الكبير، وهل هو "خطأ جغرافي" أو "خطأ تاريخي"، عاد إلى الارتفاع في الأصوات بمقدار ما توسعت دائرة البحث فيه. والمؤكد أن لبنان، كوطن، هو مغامرة مهمة في الشرق، ومن الظلم للتاريخ والهوية القول إنه خطأ تاريخي. لكن الذين يؤمنون أيديولوجيًا، ضمن الأحزاب العابرة للحدود، بأنه خطأ تاريخي مصرّون على إيمانهم، وإن كشفت الأحداث عجزهم، ونصّ الدستور على أن لبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه". والذين يعتقدون أنه "خطأ جغرافي" صاروا أكثر حماسة للبحث عن حل جغرافي. والأخطر اليوم هو اندفاع فريق في الداخل والخارج لتحقيق مشروع مرتبط بالغيب، يرى أصحابه أن من واجبهم التسلح للعمل من أجل تصحيح غلطة تاريخية كبيرة وقديمة على مستوى العالم الإسلامي.
والواقع أن أساس الميثاقية هو التعددية داخل كل طائفة، وإلا فشلت التعددية والميثاقية في البلد الذي قال البابا يوحنا بولس الثاني إنه "أكثر من بلد، إنه رسالة". ونحن نواجه اليوم خطر خسارة البلد والرسالة. فالبلد المغامرة في الشرق محكوم بمعادلة سلطة قوامها، حسب ميشال شيحا، "إدارة العيش المشترك على الخوف السياسي المتبادل والمنفعة الاقتصادية المشتركة". والخوف المتبادل اليوم أكبر من إمكان إدارته. والمنفعة المشتركة محصورة بالنافذين. وليس أخطر من فشل "لبنان التعددي" سوى تقدم "لبنان الإيراني". و"الخوف من السيئ يوقعنا في الأسوأ"، حسب المثل اللاتيني.