في المنعطفات التاريخية الكبرى، لا تُقاس الأمم بعدد سكانها ولا بحجم قوتها العسكرية، بل بقدرتها على قراءة التحولات واستباقها، وصياغة مشروع سياسي يصنع الأحداث بدلاً من الاكتفاء بالتكيّف معها. وفي كل مرة يُعاد فيها رسم النظام الإقليمي، يبرز سؤال جوهري: من يشارك في صناعة المستقبل، ومن يكتفي بمراقبته؟
لقد شكّل إعلان دولة لبنان الكبير تتويجاً لمسار سياسي ودبلوماسي طويل، قادته البطريركية المارونية، بعد عملٍ تراكمي بدأ منذ تنظيم الكنيسة المارونية في عهد الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي، وتبلور لاحقاً في رؤية سياسية واضحة حملها البطريرك الياس الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس.
وقد تميّز ذلك الجيل بامتلاكه رؤية استراتيجية بعيدة المدى، جعلته يحسن استثمار التحولات الدولية التي أعقبت انهيار السلطنة العثمانية، فنجح في تحويل لحظة تاريخية استثنائية إلى مشروع دولة.
غير أن المشهد تبدّل بعد قيام لبنان الكبير. فقد انشغلت الزعامات المارونية، والمسيحية بصورة عامة، بالصراع على السلطة وتوازناتها الداخلية، أكثر من انشغالها بتطوير المشروع الوطني الذي قام عليه الكيان. وكأن الاستراتيجية انتهت مع إعلان الدولة، لتحل مكانها حسابات السلطة وإدارتها، فتراجع الحس الاستراتيجي تدريجياً أمام الاعتبارات السياسية الآنية.
ثم جاء اتفاق الطائف بعد سنوات الحرب اللبنانية، في ظل اختلال كبير في موازين القوى الداخلية والإقليمية. وكانت المغامرات العسكرية والسياسية التي خاضها العماد ميشال عون، وما انتهت إليه من ترسيخ الاحتلال السوري على لبنان بغطاء دولي وإقليمي، من أبرز العوامل التي ساهمت في انتقال المسيحيين من موقع المبادرة إلى موقع التكيّف مع الوقائع التي فرضها الآخرون.
واليوم، فيما يشهد الشرق الأوسط إعادة رسم لموازين القوى بفعل الحروب والتسويات والتحولات الدولية، يعود السؤال بإلحاح: هل فقدت النخب المسيحية روح المبادرة التي ميّزت جيل المؤسسين، أم أنها دخلت مرحلة الاكتفاء بردود الفعل وانتظار ما يقرره الآخرون؟
فبعد الحرب العالمية الأولى، لم تنتظر البطريركية المارونية أن تُفرض عليها الوقائع الجديدة، بل أدركت أن لحظات التحول التاريخي لا تتكرر كثيراً، وأن الشعوب التي لا تمتلك مشروعاً تصبح جزءاً من مشاريع الآخرين. لذلك قادت تحركاً سياسياً ودبلوماسياً واسعاً تُوّج بقيام لبنان الكبير. ولم يكن ذلك المشروع دفاعاً عن جماعة بعينها، بل تصوراً لدولة تقوم على التعددية، والانفتاح، والشراكة، وسيادة القانون.
لقد امتلك ذلك الجيل ثلاث ركائز أساسية: رؤية واضحة، وشجاعة المبادرة، والقدرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة المصالح والقانون، لا بلغة الشكوى وانتظار الحلول.
أما اليوم، وبعد أكثر من قرن، فتبدو الصورة مختلفة. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل قد تغيّر خرائط النفوذ لعقود مقبلة، فيما يغرق لبنان في واحدة من أخطر أزماته السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية. وفي هذا المشهد، يبدو أن جانباً كبيراً من الخطاب السياسي المسيحي انشغل بصراعات الزعامة والمصالح والخلافات الحزبية الضيقة، أكثر من انشغاله بصياغة رؤية وطنية استراتيجية متكاملة لمستقبل الدولة. وأصبحت الأولوية، في كثير من الأحيان، الحفاظ على المواقع السياسية، بينما تراجع النقاش حول بناء دولة قادرة على حماية سيادتها ومؤسساتها وتأمين مستقبل أبنائها.
باستثناء المبادرات والمواقف التي تصدر بين الحين والآخر عن قيادة القوات اللبنانية، تبدو المبادرة السياسية الجدية شبه غائبة. وقد تمدّد الفراغ إلى عمق الحياة السياسية، وبات معظم اللاعبين يكتفون بإدارة الأزمة والحفاظ على المصالح والمكاسب وانتظار تبدّل الموازين، بدلاً من السعي إلى التأثير فيها. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يهدد أي نخبة سياسية؛ فالمشكلة ليست في خسارة موقع انتخابي أو تراجع الشعبية، بل في فقدان القدرة على إنتاج الأفكار المستقبلية وصناعة المبادرات التغييرية. وعندما تتحول السياسة من مشروع لبناء الدولة إلى مجرد إدارة للأزمات اليومية، يصبح المستقبل رهينة المتغيرات الخارجية.
لقد أثبت تاريخ لبنان أن المسيحيين كانوا أكثر تأثيراً عندما امتلكوا رؤية استراتيجية واضحة وعملوا من أجل مشروع وطني جامع، لا عندما انكفأوا إلى صراعات مصلحية ضيقة. فالقيادة لا تُقاس بحجم المخاوف التي تعبّر عنها، بل بقدرتها على إنتاج الأمل، وصياغة الخيارات، وجمع اللبنانيين حول رؤية مشتركة لمستقبل دولتهم.
ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل فقدت النخب المسيحية روح المبادرة؟ بل: هل تمتلك الإرادة السياسية والشجاعة الفكرية لاستعادتها؟
فاللحظات التاريخية لا تنتظر المترددين، والأوطان لا يحفظها الحنين إلى الماضي، بل تحميها الإرادة السياسية، والرؤية البعيدة، والقدرة على المبادرة وصناعة المستقبل.
لقد صنع الجيل المؤسس لبنان لأنه امتلك مشروعاً سبق عصره، واستثمر التحولات الدولية لبناء دولة. أما الجيل الحالي، فإن التحدي الذي يواجهه لا يقتصر على الدفاع عن إرث المؤسسين، بل يتمثل في إنتاج مشروع وطني جديد يليق بلبنان في القرن الحادي والعشرين، ويعيد للمسيحيين، دورهم كشركاء في صناعة المستقبل، لا كمجرد شهود على ما يصنعه الآخرون.