لم يعد خطاب الرئيس السوري أحمد الشرع تجاه لبنان يقتصر على التأكيد المتكرر بعدم رغبة دمشق في أي تدخل عسكري، بل بدأ يتطور تدريجاً نحو مقاربة مختلفة، تقوم على اعتبار أن استقرار لبنان بات جزءاً من الأمن القومي السوري. وبينما يكرر الشرع رفض التدخل، يواصل الرئيس الأميركي الإيحاء بأن دمشق قد تكون قادرة على لعب دور حاسم في معالجة ملف سلاح "حزب الله"، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الذي يُراد لسوريا أن تؤديه في المرحلة المقبلة.
التحول اللافت في خطاب الشرع برز في حديثه عن أن الفوضى في لبنان ستنعكس مباشرة على سوريا. هذه العبارة ليست مجرد توصيف للعلاقة الجغرافية والسياسية بين البلدين، بل تعني أن دمشق لم تعد تنظر إلى الأزمة اللبنانية باعتبارها شأناً خارجياً، وإنما كملف يرتبط مباشرة بمصالحها الأمنية والاستراتيجية. ومن هنا، يبدو أن الشرع يهيئ الأرضية السياسية لتبرير انخراط سوري، ليس واضح شكله وحدوده حتى الآن، في مسار معالجة الأزمة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يكتسب حديثه عن "حزب الله" أهمية خاصة. فالشرع لم يكتفِ باستعادة ذاكرة الحرب السورية، مذكراً بالدور الذي لعبه "الحزب" إلى جانب نظام بشار الأسد في عمليات القتل والتهجير، بل أضاف عنصراً جديداً عندما أكد أن "الحزب" لا يزال يحتفظ بوجود على الحدود اللبنانية – السورية. وهذا الربط بين الماضي والحاضر يوحي بأن دمشق لا تعتبر تهديد "حزب الله" مجرد إرث من سنوات الحرب، بل ترى أنه ما زال يشكل تحدياً أمنياً قائماً يتطلب المعالجة.
وتكشف هذه المقاربة عن تغير في موقف الشرع. فإذا كانت دمشق في السابق تتجنب الخوض المباشر في ملف "حزب الله"، فإن الخطاب الحالي يضع "الحزب" في موقع التهديد للأمن السوري. وهذا التطور ينسجم مع حديث ترامب المتكرر عن دور الشرع في هذا الملف.
ذلك بالتزامن مع تزايد الإعلانات الصادرة عن السلطات السورية بشأن ضبط شحنات أسلحة كانت في طريقها إلى "حزب الله"، إضافة إلى عمليات ضبط لشحنات مخدرات على الحدود اللبنانية – السورية. وبغض النظر عن حجم هذه العمليات وتأثيرها الفعلي، فإن الإعلان المتكرر عنها يساهم في ترسيخ خطاب رسمي يربط أمن سوريا بما يجري على حدودها مع لبنان.
وعند جمع هذه المؤشرات، من تصريحات ترامب، إلى التحول في خطاب الشرع، وصولاً إلى تصاعد الحديث عن عمليات ضبط الأسلحة والتهريب، يبرز انطباع بأن الدور السوري في الملف اللبناني يتجه إلى الاتساع، ولو أن طبيعة هذا الدور وحدوده غير واضحة.
في المحصلة، لا يبدو أن تصريحات الشرع مجرد تعديل في الخطاب السياسي، بل تعكس رؤية أميركية وإقليمية للمنطقة، وموقع سوريا في هذا المشهد الذي ما زال في طور التبلور.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام لحظة دقيقة. فكلما طال أمد معالجة ملف السلاح، ازدادت احتمالات انتقال زمام المبادرة إلى أطراف خارجية تسعى إلى فرض وقائع جديدة. وفي حال استمرت الأزمة من دون حلول داخلية، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، سياسياً وعلى الأرجح عسكرياً أيضاً، مع ما قد يحمله ذلك من كلفة بشرية واقتصادية وسياسية مرتفعة. ويبقى الرهان، في نهاية المطاف، على قدرة المؤسسات اللبنانية على معالجة ملف السلاح بنفسها، بما يحد من احتمالات انزلاق البلاد إلى سيناريوهات تفرضها توازنات الخارج.