لقد عانيت شخصياً من حملات إعلامية قادتها مؤسسات مرتبطة بأنطون الصحناوي بسبب مواقفي، ولا تربطني به أي علاقة مالية أو شخصية أو عائلية. ومع ذلك، فإن هذا لا يمنعني من الدفاع عن مبدأ اعتبره أساسياً: لا يجوز أن يتحول الخلاف مع أي شخص إلى دعوات للكراهية أو إلى استهداف جماعي له أو لعائلته أو لموظفيه. فدولة القانون تقوم على المسؤولية الفردية، لا على العقوبات الجماعية.
منذ أيام، لم تشهد وسائل الإعلام اللبنانية ولا منصات التواصل الاجتماعي صورة أحدثت هذا القدر من الجدل كما فعلت الصورة التي جمعت أنطون الصحناوي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزوجته في واشنطن.
هذه الصورة تحولت إلى قضية رأي عام. شئنا أم أبينا، لم يعد ممكناً تجاهلها أو تجاوزها، حتى بدا وكأن هناك مرحلة “ما قبل صورة أنطون الصحناوي مع نتنياهو” ومرحلة “ما بعدها”.
وهنا تكمن الخطورة.
فالصور أحياناً تصبح أقوى من الوقائع، والانفعال يصبح أقوى من العقل. وإذا لم يُحسن اللبنانيون التعامل مع هذا الحدث، فقد يتحول إلى شرارة انقسام جديد، أو إلى فتنة لا يحتاجها لبنان، في وقت يفترض أن تكون الأولوية فيه لإعادة بناء الدولة والثقة بين اللبنانيين.
من حق الناس أن تطرح الأسئلة، ومن حقها أن تنتقد أنطون الصحناوي أو ترفض ما قام به. لكن ليس من حق أحد أن يحاكمه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو أن يحمّل عائلته، أو موظفيه، أو المؤسسات المرتبطة به مسؤولية قرار اتخذه هو بصفته الشخصية.
في النهاية، المسؤولية، إن وُجدت، هي مسؤولية فردية، ولا يجوز أن تتحول إلى عقاب جماعي.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن نتعامل مع هذه الصورة وكأنها اكتشاف مفاجئ. فأنطون الصحناوي لم يُعرف يوماً بأنه يخفي مواقفه أو توجهاته، وبالتالي فإن من يرى في هذه الصورة امتداداً لقناعاته المعلنة لن يفاجأ بها. وهذا، بحد ذاته، يجعل النقاش الحقيقي ليس حول شخصه، بل حول كيفية تعامل المجتمع اللبناني مع الاختلاف، مهما كان حاداً أو مستفزاً.
هناك أيضاً حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها. لبنان يعيش اليوم نقاشاً جدياً حول مستقبله، وحول احتمالات السلام والاستقرار في المنطقة، في ظل مواقف رسمية لبنانية تدعو إلى مقاربة جديدة تحفظ مصلحة لبنان وسيادته. وإذا دخل لبنان يوماً في مسار سلام رسمي، فمن الطبيعي أن يصبح اللقاء بين لبنانيين وإسرائيليين أمراً سياسياً قابلاً للنقاش، لا سبباً لاندلاع حملات كراهية.
لكن هذا موضوع، والجلوس مع بنيامين نتنياهو موضوع آخر. فنتنياهو ليس شخصية عادية، بل هو من أكثر الشخصيات إثارةً للانقسام في العالم، وتواجه سياساته انتقادات واسعة، حتى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه. لذلك، من حق اللبنانيين أن يسألوا: لماذا هذا اللقاء؟ ولماذا نُشرت هذه الصورة؟ وما الرسالة التي أراد صاحبها إيصالها؟ لكن الإجابة عن هذه الأسئلة تبقى مسؤولية أنطون الصحناوي وحده.
أما مسؤوليتنا نحن، فهي ألا نسمح لصورة واحدة بأن تتحول إلى محكمة شعبية، أو إلى سبب لزرع مزيد من الكراهية بين اللبنانيين.
لبنان يحتاج اليوم إلى العقل أكثر من الغضب، وإلى دولة قانون أكثر من محاكم وسائل التواصل الاجتماعي. لأن الأوطان تُبنى بالحكمة، لا بالانفعال، وبالعدالة، لا بالأحكام المسبقة.
شريك في نداء الوطن