نظّم "التيار الوطني الحر" مؤتمرًا تحت عنوان "حماية لبنان". لكن عند التمعّن في بعض الأسماء والقوى المشاركة، يتبيّن أن المطلوب فعلا هو "حماية لبنان" منها. وبمعزل عن الذين شاركوا على سبيل "رفع العتب"، أو أولئك الذين دأبوا على انتهاج سياسة "رجل في البور ورجل في الفلاحة"، لا يمكن وضع هذا المؤتمر إلا في خانة محاولة تشكيل معارضة ناعمة تستهدف عهد الرئيس جوزاف عون وحكومة نواف سلام.
يقول "التيار" إن إعداد "وثيقة" المؤتمر استغرق أربعة أشهر، لكن، بعيدًا من العموميات الإنشائية، غاب عنها أي دعم واضح للعهد والحكومة في مسار التفاوض المباشر، ولم يرد موضوع سلاح الميليشيا إلا من زاوية فضفاضة عنوانها "استراتيجية دفاع وطني". وطبعًا، تجنّبت الوثيقة تحميل الميليشيا الإيرانية مسؤولية مصادرتها قرار الحرب والسلم، وزجّها لبنان في معركتين انتحاريتين هما "إسناد غزة" و "إسناد إيران".
ورغم هذا التهاون، رفضت الميليشيا المشاركة في المؤتمر، فيما شاركت "حركة أمل"، ولم يفت ممثلها التأكيد على رفض "صيغة الإطار الثلاثي". وهكذا، تندرج محاولة "التيار الوطني الحر" في خانة "الأحمق المفيد"، بما يتيح للميليشيا الإيحاء بأن أغلبية اللبنانيين ليست متوافقة على دعم مسار الدولة في استعادة قرارها السيادي.
وبما أن مسار الدولة يواجه تحديات جمّة بسبب الميليشيا نفسها، تحاول بعض القوى المشاركة في المؤتمر استغلال هذه التحديات لحجز موقع لها، ولو في آخر عربة من القطار. وعندما وجّه "التيار الوطني الحر" الدعوة إلى الميليشيا، بدا وكأنه تناسى أنها مصنفة "خارجة على القانون"، وفق قرار الحكومة اللبنانية، وكذلك في نظر معظم دول الخليج والعالم الغربي، وأنها ماضية في التمسك بسلاحها، على الرغم من كل الالتفافات اللغوية التي حفلت بها الوثيقة.
لذلك، وبدل التصويب المضمر على مسار الدولة، كان الأجدى أن تتجه بنود الوثيقة كلها إلى الميليشيا التي تقف وراء معظم الأزمات التي اشتكى منها المشاركون. وكما شكّل "التيار الوطني الحر"، طوال سنوات، الغطاء المسيحي لهذا السلاح، ها هو اليوم يعيد إنتاج دور "الأحمق المفيد"، ولكن عبر توفير غطاء أوسع يضم مسيحيين وسنّة وقوى رمادية.
ولم ترد في كلمة رئيس "التيار" أي إشارة إلى إنجازات العهد أو الحكومة، مع أن كل عاقل ومنصف لا يمكنه إنكار ما تحقق، وإن كان المطلوب، بلا شك، تحقيق المزيد. وفاته أن مؤسسات الدولة، على الرغم من ظروف الحرب، أقرّت عددًا وازنًا من القوانين، ونجحت في تشكيل العديد من الهيئات الإدارية، وأسهمت في رفع الحظر الدولي والحصار المضروب على لبنان، فيما كان عهد عمه الأسوأ على مختلف المستويات، رغم حالة السلم التي عاشها الجنوب وسائر المناطق.
وقال أيضًا في كلمته: "نلتقي لا لنعلن جبهة، أو لقاء دائمًا، أو نشكّل إطارًا تنسيقيًا". فما الذي يمكن أن يُفهم من هذا النفي سوى أنه محاولة جديدة من "الأحمق المفيد" لترميم حضور سياسي يتداعى؟