فادي بدران

أبواب بيروت: حرّاس المدينة وذاكرة الزمن

5 دقائق للقراءة
أبواب بيروت القديمة على الخريطة (موقع beirutheritage.org)

قبل أن تمتدّ شوارع بيروت الحديثة في كل اتجاه، وقبل أن تبتلع الأبراج الزجاجية ملامح المدينة القديمة، كانت بيروت تعرف نفسها من خلال سورها وأبوابها. لم تكن الأبواب مجرّد مداخل حجرية تُفتح مع شروق الشمس وتُغلق مع غروبها، بل كانت الحدّ الفاصل بين عالمَين: بين مدينة تنبض بالحياة داخل الأسوار، وحقول وبساتين وطرق قوافل تمتدّ خارجها. كانت الأبواب تحرس المدينة، لكنها، في الوقت نفسه، كانت تستقبل الغرباء والتجّار والحجّاج والمسافرين، لتصبح شاهدة على آلاف القصص التي مرّت من خلالها عبر القرون.

عرفت بيروت التحصينات منذ العصور الفينيقية، إلا أنّ السور الذي ارتبط بذاكرة المدينة أُعيد بناؤه وتحصينه خلال العهدَين المملوكي والعثماني، بعدما تعرّضت المدينة لزلازل وغزوات متكرّرة. وقد أحاط السور بالمدينة القديمة، التي لم تكن تتجاوز مساحتها بضع عشرات من الهكتارات، فيما توزّعت على امتداده مجموعة من الأبواب التي شكّلت نقاط الاتصال الوحيدة بين الداخل والخارج.

وكان أشهر هذه المداخل "باب إدريس"، الواقع في الجهة الغربية من المدينة، والذي حمل اسم الأمير المملوكي إدريس الجندار. لم يكن هذا الباب مجرّد مدخل، بل كان الطريق الذي يصل بيروت بالمرافئ الغربية وبالقرى الساحلية، ومنه دخل التجّار الأوروبيون والقناصل والبعثات الأجنبية، قبل أن يتحوّل محيطه لاحقًا إلى أحد أهم المراكز التجارية في العاصمة. وحتى اليوم، ما زال اسم "باب إدريس" حاضرًا في وسط بيروت، رغم اختفاء الباب نفسه منذ أكثر من قرن.

أما "باب يعقوب"، فكان يفتح الطريق نحو الأحياء الشرقية والداخل اللبناني، ويرتبط اسمه، بحسب عدد من المؤرخين، بجماعة أو مقام ديني كان قائمًا في تلك المنطقة. ومنه كانت تمرّ القوافل المتجهة نحو جبل لبنان ودمشق، حاملة الحرير والزيت والصابون والحبوب، لتجعل من بيروت محطة رئيسية في شبكة التجارة الإقليمية.

وفي الجهة الجنوبية، وقف "باب الدركه" أو "باب الدباغة" بالقرب من الورش التي اشتهرت بدباغة الجلود، حيث انتشرت الحرف التقليدية التي شكّلت جزءًا من اقتصاد المدينة. أما "باب السراي"، فقد ارتبط بالمركز الإداري والحُكم، بينما أتاح "باب السنطية" الوصول إلى البساتين التي كانت تحيط ببيروت من جهاتها الجنوبية والشرقية، قبل أن تتحوّل تدريجيًا إلى أحياء سكنية.

كانت هذه الأبواب تؤدي وظيفة تتجاوز الدفاع العسكري. فمن خلالها كانت تُراقَب حركة التجارة، وتُجبى الرسوم الجمركية، وتُنظَّم حركة الدخول والخروج، كما كانت تُغلق ليلا حفاظًا على أمن السكان. وكانت أيضًا تمثّل رمزًا لسيادة المدينة واستقلال إدارتها، إذ لم يكن الدخول إلى بيروت يتمّ إلا عبر هذه المداخل المعروفة، التي حفظت النظام وربطت المدينة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي.

ولعلّ أجمل ما في هذه الأبواب أنها لم تكن تفصل بيروت عن العالم، بل كانت تنظّم علاقتها به. فمنها دخل الحجّاج المتجهون إلى الأراضي المقدسة، وعبرها مرّ العلماء والرحّالة والشعراء، ومنها وصلت الكتب القادمة من أوروبا، كما عبرها آلاف المهاجرين الذين غادروا بيروت بحثًا عن مستقبل جديد في الأميركتَين وأفريقيا، وهم يحملون في ذاكرتهم صورة المدينة التي ودّعتهم من خلف أسوارها.

ومع التوسّع العمراني الذي شهدته بيروت خلال القرن التاسع عشر، ولا سيّما بعد إعلانها عاصمة لولاية بيروت عام 1888، بدأت الأسوار تفقد وظيفتها الدفاعية. فقد اتسعت المدينة خارج حدودها القديمة، وأصبحت الأحياء الجديدة تمتدّ نحو الأشرفية ورأس بيروت والمزرعة وزقاق البلاط. ومع هذا التوسّع، هُدمت أجزاء كبيرة من السور، واختفت معظم الأبواب تدريجيًا، لإفساح المجال أمام الشوارع الحديثة والمباني الجديدة.

كان ذلك، في نظر كثيرين، ثمنًا للتقدّم العمراني، لكنه كان أيضًا خسارة لذاكرة المدينة. فحين سقطت الأبواب، لم تختفِ حجارة فحسب، بل اختفت معالم كانت تروي كيف كانت بيروت تُدار، وكيف كانت تتنفّس، وكيف كانت تعرف نفسها. ولم يبقَ منها اليوم سوى أسماء الشوارع والساحات، وبعض الحجارة المكتشفة خلال أعمال التنقيب الأثري، وصُوَر قديمة تحتفظ بها الكتب والأرشيفات.

إنّ الحفاظ على أبواب بيروت، أو على الأقل توثيقها وإبراز مواقعها، ليس عملا يهدف إلى استعادة الماضي من أجل الحنين فقط، بل هو استثمار في هوية المدينة. فالمدن الكبرى لا تُقاس بما تبنيه من أبراج، بل بما تحفظه من ذاكرتها. وفي مدن مثل القدس ودمشق والقاهرة، ما زالت الأبواب التاريخية تشكّل جزءًا من شخصية المدينة، وتجذب الزوّار، وتربط الأجيال بتاريخها. أما بيروت، فقد خسرت أبوابها، لكنها لم تخسر قصّتها.

ربما لن تعود أبواب بيروت كما كانت، ولن يُغلَق "باب إدريس" عند الغروب كما كان يفعل الحرّاس قبل قرون، لكنّ أسماءها ما زالت تعيش في ذاكرة المكان. وكلّما مرّ أحد في شارع يحمل اسم أحد تلك الأبواب، فإنه يسير فوق طبقات من التاريخ لا تُرى بالعين، لكنها لا تزال حاضرة في وجدان المدينة.

لقد كانت أبواب بيروت أكثر من حجارة وأقواس؛ كانت أول ما يراه القادمون إلى المدينة، وآخر ما يودّعه المسافرون. كانت رمزًا للأمان والازدهار والانفتاح المنظّم على العالم. وحين نتأمل تاريخها اليوم، ندرك أنّ حماية التراث ليست حفاظًا على الماضي وحده، بل هي حفاظ على حق الأجيال القادمة في أن تعرف كيف كانت مدينتها، وكيف استطاعت مدينة صغيرة على شاطئ المتوسط أن تصبح، عبر أبوابها المفتوحة، بوابة للحضارات والثقافات والإنسان.

*باحث في الذاكرة الحضرية وتاريخ بيروت