تضاربت المواقف بين الولايات المتحدة وإيران بشأن إجراء محادثات بين البلدين. وما يحصل بين واشنطن وطهران انعكاس طبيعي لحال العداء وغياب الثقة بينهما. ونفت إيران إجراء أي مباحثات مع أميركا، بعد ساعات من إعلان دونالد ترامب أن المفاوضات ستُستأنف أمس، في خطوة أثارت غضب الرئيس الأميركي. وبعد نفي الجمهورية الإسلامية إجراء مفاوضات أو تحديد أي موعد لاجتماعات مع الأميركيين، اعتبر ترامب أن القيادة الإيرانية "مخادعة على نحو لا يُصدّق!"، وقال: "تطلب عقد اجتماع، وقد يقول البعض إنها "تتوسّل"، ثمّ تبدأ المحادثات، مع تحديد مواعيد لمزيد منها في المستقبل القريب، وتقول، علنًا وبكلّ فخر، إنها لا تجري أي مناقشات، وإنه لا يجري بحث أيّ شيء، وإنها لا تتعامل إلّا مع عُمان".
وأضاف الرئيس الجمهوري: "ثمّ تمضي في ثرثرتها المعتادة، قائلة إن مضيق هرمز سيُدار بقوّة من جانبها، في حين أنه خاضع أصلًا للسيطرة الكاملة للبحرية الأميركية ولحصارنا"، مؤكدًا أنه "لا يصل شيء إلى إيران إلّا إذا أردنا نحن ذلك، ولن يصل إليها شيء ما لم يُبرم اتفاق أو يتحقّق استسلام كامل". وأوضح أنه "سواء أرادت إيران الإقرار بذلك أم لا، فإننا نتحدّث بالفعل عن حلّ لمشكلة تسبّبت فيها على مدى عقود. الأمر بسيط جدًا: لن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا أبدًا!". ولاحقًا، رأى أن الصراع مع إيران يسير على نحو جيّد للغاية، مؤكدًا أن المحادثات مع طهران جارية الآن بناءً على طلبها. وإذ حذّر قادة طهران من أن هذه هي فرصتهم الأخيرة لتوقيع وثيقة جيّدة، توعّد بإطاحتهم إذا لم يعودوا إلى رشدهم، جازمًا بأنه لن يسمح لإيران بفرض رسوم على المرور عبر هرمز.
في المقابل، ذكرت طهران أنه ليس لديها خطط لاستضافة وفود أجنبية أو إرسال مفاوضين إلى الخارج في الأيام المقبلة، مؤكدة أن جميع المفاوضين الإيرانيين موجودون حاليًا داخل البلاد، باستثناء وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يقوم بزيارة دينية إلى العراق. وأوضحت أن المحادثات الوحيدة الجارية هي مفاوضاتها مع سلطنة عُمان لتأمين ممرّ عبر مضيق هرمز. وأكد مصدر إيراني كبير لـ "رويترز" أنه لا توجد خطط لإجراء محادثات، وأن عراقجي لن يكون متفرّغًا حتى نهاية الأسبوع على الأقلّ.
تدرك القيادة الإيرانية أن موازين القوى العسكرية تصبّ في مصلحة أميركا. لهذا، تنتهج استراتيجية تصعيد تدريجي، محسوبة نوعًا ما، من خلال المواقف العالية السقف، إضافة إلى تحريك أذرعها وتهديد حرّية الملاحة في الإقليم، بهدف جعل كلفة الحرب الشاملة بالنسبة إلى أميركا وحلفائها مرتفعة للغاية، وتاليًا فرض تسوية تأخذ في الاعتبار مصالح طهران، خصوصًا في هرمز.
يرى مسؤولون في منطقة الخليج ومحلّلون أن طهران تراهن على قدرتها على التحمّل أكثر من واشنطن، من خلال تحويل طرق التجارة وممرّات الملاحة والبنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط إلى نقاط ضغط ترفع بشكل مطرد كلفة المواجهة. والرسالة التي تبعث بها إيران هي أنه ما لم تقبل واشنطن وضعًا جديدًا يمنح طهران دورًا أكبر في هرمز، فإنّ الصراع قد يمتدّ أبعد من الخليج.
ويعتقد الملالي أن بوسعهم تعزيز موقفهم في أي مفاوضات مستقبلية من خلال تعريض العديد من الممرّات البحرية المهمّة وأصول الطاقة للخطر. وقال مايكل نايتس من "معهد واشنطن" لـ "رويترز": "الميزة الأكبر التي يتمتّعون (الإيرانيون) بها ليست قدرتهم على إلحاق الضرر بأميركا أو إسرائيل، بل إن ميزتهم الكبرى تكمن في قدرتهم على إلحاق الضرر بدول المنطقة وبالاقتصاد العالمي".
وتشير التهديدات الموجّهة إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر والبنية التحتية للطاقة في دول الخليج العربية إلى جهد أوسع نطاقًا لزيادة كلفة حماية التجارة العالمية، مع اختبار مدى صبر واشنطن على الاضطرابات. ويعكس نهج إيران ما وصفه مصدر خليجي بأنه اعتقاد سائد بين قادة "الحرس الثوري" بأن "بوسعهم الحصول على المزيد". فهم يرون فرصة سانحة في ما يعتبرونه تردّد ترامب في التورّط بعمق في صراع آخر في الشرق الأوسط قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني. وتشكّل هذه الحسابات ركيزة للاستراتيجية التفاوضية لطهران.
وأفاد مصدر إيراني كبير بأن القيادة الإيرانية خلصت إلى أن المحاولات السابقة لإبداء المرونة لم تُسفر إلّا عن مزيد من الضغوط من جانب واشنطن، ما عزّز القناعة بضرورة امتلاك أوراق ضغط قوية قبل البدء في مفاوضات ذات أهداف فعلية. وأوضح المصدر أن تقديرات طهران صارت تركّز على أن ترامب يُفسّر التنازلات على أنها ضعف، ولا يستجيب إلّا للضغط. وقال مايكل سينغ، الزميل في "معهد واشنطن"، إن طهران تعتقد أنها لا تزال تمسك بزمام المبادرة، وذلك لأسباب من بينها حالة عدم اليقين التي تبدو فيها إدارة ترامب بشأن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه عسكريًا.
وهذا الصراع، في جوهره، هو اختبار طول النفس. ويعتقد القادة الإيرانيون أن بإمكانهم تحمّل الضغوط الاقتصادية والضربات لفترة أطول مِمّا يمكن لواشنطن وحلفائها تحمّله في ما يتعلّق بالاضطرابات المتكرّرة في التجارة العالمية وأسواق الطاقة. ومع ذلك، لا يبدو أن أيًّا من الطرفين مستعدّ لتقديم تنازلات؛ فبينما تواصل أميركا وإيران اختبار عزيمة بعضهما بعضًا، تظلّ هناك مخاطر بأن تتحوّل الاستراتيجية الإيرانية، التي تهدف في الأساس إلى تعزيز أوراق الضغط، إلى حرب شاملة لا يمكن لأي منهما السيطرة عليها بالكامل.