لم يعد الرابع من آب مجرد تاريخ في الذاكرة اللبنانية، بل تحول إلى مرآة تعكس انهيار الدولة بكل مؤسساتها. ست سنوات مرت، ولم تنجح السلطة في تقديم مسؤول واحد إلى العدالة، لكنها نجحت بامتياز في بناء جدار هائل من الحصانات والتعطيل والذرائع، حتى بدا وكأن التحقيق نفسه هو المتهم، فيما بقيت الحقيقة رهينة أصحاب النفوذ.
في لبنان، تحوّلت الجريمة إلى امتحان أخلاقي سقطت فيه الطبقة الحاكمة سقوطاً مدوّياً. أكثر من مئتين وعشرين قتيلاً، وآلاف الجرحى، وعاصمة مدمَّرة، واقتصاد تلقّى ضربةً قاصمة، ومع ذلك بقيت الأولوية لدى أهل السلطة حماية المنظومة، لا إنصاف الضحايا ولا إحقاق العدالة.
لم يكن انفجار المرفأ قضاءً وقدراً، بل النتيجة الطبيعية لدولة اعتادت إدارة المخاطر بالإهمال، وحكم المؤسسات بالمحاصصة، واستبدال القانون بالنفوذ. فبقاء آلاف الأطنان من نترات الأمونيوم سنوات داخل أحد أهم مرافق الدولة لم يكن مجرد خطأ إداري، بل شهادة إدانة لمنظومة كاملة عرفت بالخطر ولم تمتلك الإرادة أو الجرأة لإزالته.
لم تتوقف المأساة عند لحظة الانفجار، بل بدأت جريمة أخرى أكثر قسوة: اغتيال العدالة. فمنذ انطلاق التحقيق، انهالت دعاوى الرد والمخاصمة، وتعددت العراقيل القانونية، وتصاعدت الضغوط السياسية والإعلامية، حتى تحول القضاء إلى ساحة صراع، وأصبح الوصول إلى الحقيقة يخضع لموازين القوة أكثر مما يخضع لسلطة القانون.
الأخطر من كل ذلك أن الحصانات تحولت من ضمانة دستورية إلى درع يحتمي خلفه المسؤولون. فكلما اقترب التحقيق من أصحاب القرار، ارتفعت المتاريس السياسية والطائفية، وكأن دماء الضحايا أقل قيمة من بقاء المنظومة. وهنا لا تسقط العدالة وحدها، بل تسقط فكرة الدولة نفسها.
أما أهالي الضحايا، فقد بقوا الضمير الحي للبنان. رفضوا المساومة، وواجهوا محاولات التفتيت والتسييس، وأثبتوا أن الحقيقة لا تُقاس بالانتماءات، وأن العدالة ليست مطلباً شخصياً، بل حق وطن بأكمله.
اليوم، وبعد ست سنوات، لم يعد السؤال: من خزّن نترات الأمونيوم؟ ومن أهمل؟ ومن قصّر؟ بل أصبح السؤال الأكبر: من عطّل العدالة؟ ومن قرر أن تبقى هذه الجريمة بلا محاسبة؟
إن أخطر ما كشفه انفجار المرفأ ليس حجم الدمار، بل حجم العجز الأخلاقي لدى الطبقة الحاكمة وسطوة السلاح الغير شرعي على القرار السياسي وعمق تحالف المافيا والميليشيا في عهد الرئيس ميشال عون. فالدولة التي تعجز عن محاسبة المسؤولين عن أكبر كارثة في تاريخها الحديث، أو تسمح بتعطيل العدالة سنوات طويلة، تفقد تدريجياً شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد هيبتها السياسية.
قد يستطيع أصحاب النفوذ تأجيل الأحكام، لكنهم لن يستطيعوا إسكات الذاكرة. فكل يوم يمر من دون محاسبة ليس مجرد تأخير للعدالة، بل جريمة مستمرة بحق الضحايا وذويهم وبحق لبنان كله. والعدالة التي تُؤجَّل ستبقى تطارد من عطّلها، لأن الشعوب قد تنسى الوعود، لكنها لا تنسى من حوّل دماء أبنائها إلى مجرد بند في بازار السياسة.