لا تكمن أهمية الجولة الجديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، التي انطلقت الثلثاء، في ما قد تفضي إليه من تفاهمات ميدانية أو ترتيبات تقنية، بقدر ما تكمن في انعقادها بحد ذاته. فالتسريبات حول مطالب كل طرف قد تثير الاهتمام، لكنها لا تغيّر حقيقة أساسية: القرار الفعلي على الأرض لا يزال خارج إطار الطرفين الجالسين إلى طاولة التفاوض. فإلى جانب الدولة اللبنانية وإسرائيل، يظل كل من "حزب الله" وإيران لاعبَين أساسيين يمتلكان القدرة على التأثير في مسار الأحداث الميدانية.
من هنا، فإن الإنجاز الأهم لا يتمثل في نتائج المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية"، بل في استمرار هذا المسار التفاوضي نفسه. فمجرد انعقاد المفاوضات بصورة مباشرة يعكس أن المسار اللبناني لا يزال منفصلا عن المسار الإيراني، وأن الشرعية اللبنانية هي المرجعية التي تتولى إدارة القرارات السياسية المتعلقة بمستقبل لبنان.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه الجولات تبقى سياسية قبل أن تكون تنفيذية. أما انتظار إنجازات ملموسة على الأرض، فلا يزال سابقًا لأوانه. إذ يصعب تصور أي تحوّل جوهري على الأرض ما لم تستعد الدولة اللبنانية بصورة فعلية احتكار قرار الحرب والسلم، أي القيام بخطوات جدية لتفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله". عندها فقط يمكن للمفاوضات أن تنتقل من تسجيل نقاط سياسية إلى تحقيق نتائج عملية.
ثمة إنجاز سياسي آخر لا يقل أهمية، وإن بدا في ظاهره قرارًا تقنيًا. إنه قرار واشنطن السماح باستئناف رحلات شركات الطيران الأميركية إلى بيروت. وقد يُقرأ هذا القرار من زاوية أمنية بحتة، باعتباره مؤشرًا إلى أن مطار رفيق الحريري الدولي بات يُنظر إليه كمرفق آمن، وأن السيطرة الأمنية عليه لم تعد خاضعة لنفوذ "حزب الله". غير أن الدلالة الأهم تتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى أبعاد سياسية واستراتيجية أعمق.
فالقرار الأميركي لا يعكس مجرّد تقييم أمني للمطار، بل يعكس أيضًا تقييمًا لمسار الدولة اللبنانية. فلبنان، الذي كان خاضعًا لوصاية النظام السوري السابق برئاسة حافظ الأسد وبشار الأسد، وسوريا، التي كانت مدرجة على لوائح وزارة الخارجية الأميركية كدولة راعية للإرهاب، ثم دخل في مرحلة هيمنة "حزب الله"، المصنّف بدوره منظمة إرهابية لدى واشنطن، قد بدأ مسارًا جديدًا.
صحيح أن هذا التحول لم يكتمل بعد، لكن مجرد صدور هذا القرار يشير إلى أن الولايات المتحدة ترى وتريد لبنان في موقع سياسي مختلف. ولهذا، فإن أهمية القرار لا تكمن في عودة الرحلات الجوية فحسب، بل في الرسالة السياسية التي تحملها هذه العودة، وفي ما تعكسه من تبدل تدريجي في نظرة واشنطن إلى موقع لبنان في الخريطة السياسية التي تُرسم للمنطقة ومستقبلها.
في المحصلة، تواصل الشرعية اللبنانية مراكمة إنجازاتها على المستوى السياسي. قد تبدو هذه الإنجازات، حتى الآن، رمزية أكثر منها عملية، لكنها تحمل أهمية تاريخية لا يجوز التقليل من شأنها. فهي تؤسس لتحول تدريجي في موقع الدولة اللبنانية، وتكرّس، ولو ببطء، استعادة الشرعية لدورها في تمثيل لبنان واتخاذ قراراته السيادية. صحيح أن الطريق لا يزال طويلا، وأن ترجمة هذه التحولات إلى وقائع على الأرض تتطلب خطوات أكثر جرأة، إلا أن التحولات السياسية الكبرى تبدأ غالبًا بتبدل في موازين الشرعية والاعتراف، قبل أن تنعكس في موازين القوة والواقع.