لا يحتاج أسعد شفتري إلى تعريف. ارتبط اسمه بجهاز الأمن في "القوات اللبنانية" وبرئيسه إيلي حبيقة. معه خاض الكثير من المواجهات والعمليات السرّية إلى أن صار الجهاز أهمّ جهاز معلومات في لبنان. ولكنّه على رغم ذلك لم يستطع منع اغتيال قائد "القوات اللبنانية" الرئيس بشير الجميل. خاض الشفتري مع حبيقة في مراحل ما بعد بشير من انتفاضة 12 آذار، إلى الاتفاق الثلاثي، وانتفاضة 15 كانون الثاني 1986، والخروج من المناطق الشرقية إلى زحلة، والتحوّل من إسرائيل إلى دمشق، ثمّ إلى محاولة اختراق الأشرفية في 27 أيلول 1986. تجربة زحلة انتهت بخيبات أمل وبحلم العودة إلى المناطق الشرقية بعد عملية 13 تشرين 1990. أسعد شفتري الذي رافق كل هذه المراحل قرر في 10 شباط 2000 أن يعتذر عن كل أخطاء الماضي والحرب. تجربة رواها ولو بصوت مرتجف، كما كتب وكما يقول. هذه التجربة التي انتقل فيها من مقاتل في الحرب إلى محارب من أجل السلام يرويها شفتري لـ"نداء السنين" في "نداء الوطن" والـ"أم تي في".
في هذه الحلقة الأولى يروي كيف بدأ تأسيس جهاز الأمن عام 1976.
- على رغم كل المحطات التي مررت بها لماذا تبقى الصفة التي لازمتك في "القوات اللبنانية" هي الطاغية على غيرها بالنسبة إليك وإلى آخرين غيرك؟
للأسف بعدما انتهت الحرب بـ"اتفاق الطائف"، الحالة البديلة التي عشناها منذ عام 1990 لغاية اليوم، لم تعمل القطيعة البنوية بين الماضي والحاضر. كثير من الناس لا يزالون يعيشون في الماضي ويربطون شعورهم به بالوجع والفرح. معنى ذلك أن هذه المسائل لا تزال في صلب حياة كل واحد منا. حتى الأجيال الصغيرة التي لم تعرف الحرب، ونحن من الجيل الثالث، تعيش هذه الأجواء التي مررنا بها. لذلك هناك صفات تبقى طاغية على شخصيات كانت في الأحزاب سواء في "القوات" أو في "الشيوعي" أو غيرهما على ما تفعله اليوم. وهذه حالة نفسية وإجتماعية خطيرة على الأوطان ومعناها أنّنا لا نزال ننظر إلى الوراء وليس إلى المستقبل.
- ربّما لأنه لم يتمّ بناء تجربة جديدة تلبّي آمال الناس؟
مية بالمية.
- عُرِفت كمسؤول في جهاز الأمن في "القوات اللبنانية". بدأت عام 1976. كيف تكوّن هذا الجهاز وكيف تطوّر؟
في البداية لم يكن هناك "قوات لبنانية". أنا دخلت إلى "الكتائب". التحقت في منطقة الأشرفية. ذهبنا إلى الرميل لنلتحق. كنّا مجموعة أصدقاء وأقرباء أسّسنا صيف 1973 ما سمّيناه جبهة حراس الأرزة. لاحقًا أخذ إتيان صقر، أبو أرز، الأسم واعتمده. كان هدفنا حماية لبنان من السلاح الفلسطيني وخفنا على لبنان من أن يتمّ احتلاله. بعد أحداث 1973 طُلِب من الجيش اللبناني العودة إلى ثكناته. بالنسبة إلينا كانت هذه إشارة أنّ لبنان لم يعد قادرًا على الدفاع عن نفسه بواسطة الجيش.
- أحداث أيار بين الجيش والفلسطينيين
نعم. شعرنا أنّنا كمسيحيين في مناطقنا صرنا في خطر. وبالتالي صار هذا المجتمع في خطر. ركّبنا التركيبة ولكن بعد ذلك اكتشفنا أنّنا لا يمكن أن نفعل شيئًا بالوسائل التقليدية لذلك بحثنا عن حزب نلتحق به ووجدنا أن حزب "الكتائب" ينظّم مخيمات تدريب فتوجّهنا إلى منطقة الرميل لنلتحق لأنّ سكننا تابع لهذه المنطقة الكتائبية ولكنّهم قالوا لنا توجّهوا إلى منطقة الأشرفية حيث نائب الرئيس هو بشير الجميل إبن الشيخ بيار. لم أكن أعرفه ولم أكن قد سمعت به. رحنا إلى المنطقة قدّمنا طلبات. كان ألفرد ماضي وروجيه ديب. كلّفهما الشيخ بيار بإعطائنا الفكر العقائدي لحزب "الكتائب". عملنا دورة وبعدها أقسمنا اليمين سنة 1974. بدأنا في القسم العاشر في الأشرفية على اللاسلكي وكان سليم صادر يحبّ هذه القصص وكان مشاركًا في أحداث 1958. معه رجعنا جبنا إذاعة "صوت لبنان" القديمة التي كانت موضوعة على تتخيتة في بيت الكتائب المركزي وطلّعناها على الأشرفية. كنت في السنة الثالثة أو الرابعة هندسة. عملت حسابات أعمدة الإرسال وركّبناها وأطلقنا الإذاعة.
- بعدما كانت بدأت الحرب
نعم. هذه الإذاعة كانت إشارة سيّئة بالنسبة إلينا. لماذا؟ لأنّها لا تُستعمَل إلا في الحالات القصوى ممّا يعني أن الحرب ستستمرّ وإذاعة الدولة لم تعد تنقل الأخبار كما يجب ونحن بحاجة إلى إذاعة يستمع إليها الأحرار في البلد. في بيت كتائب الأشرفية كنت في سلاح الإشارة ولكن أواخر عام 1975 أتى شاب، طبيب أسنان ميشال يارد، لعند الشيخ بشير وقال له إنّه يريد أن يساعد وهو كان زميله في المدرسة. لاحظ أنّ هناك قرارات تُتّخذ بصورة عشوائية تقريبًا من دون معرفة حقيقة ما يحصل من تطوّرات، سواء أكان على الساحة السياسية ومعرفة ما يُحكى ويُكتب عن الأزمة دوليًا أو محليًا بالنسبة إلى ما يفعله ويقوله الخصوم. عرض على الشيخ بشير أن يُنجز له تقريرًا يوميًا عن كل المعطيات والمعلومات الصحافية ليقدّمه له صباح كلّ يوم. هكذا بدأنا قصقصة أوراق الصحف وجمع معلومات من التنصّت لأنّه كان صار لدينا جهاز تنصّت لاسلكي، ثم أطلقنا التنصّت السلكي وصرنا نجمع المعلومات ونعدّ التقارير.
- كنتم لا تزالون في الأشرفية؟
نعم. لم يكن هناك بعد المجلس الحربي. هناك تأسّس الجهاز. بلّشنا وكنّا خمسة. ميشال يارد أخذ اسم "أبو مارون" ونحن الخمسة سمّينا حالنا أيضًا "أبو مارون". لماذا؟ لأنّ الناس بدّهم يجوا يحكوا مع "أبو مارون" إذا كان لديهم أخبار. هكذا كان يمكنهم أن يقابلوا أي واحد منّا على أساس أنّه "أبو مارون"، أي "الراس". مهمّتنا في البداية كانت بسيطة جدًّا وصارت تكبر وتتوسّع كلّما قوي الشيخ بشير وصار مركزيًا أكثر. ومعه صار يكبر ويقوى دور منطقة الأشرفية وما يتبعها بحكم كونه نائب رئيس المنطقة. وكان نائب رئيس المجلس الحربي في الوقت نفسه.
- وليم حاوي.
نعم. بعد استشهاد وليم حاوي (13 تموز 1976) استلم محلّه الشيخ بشير. منتصف عام 1976 اتّصل بنا ودعانا إليه. نزلنا. قال لنا: جوني عبدو (مدير المخابرات في الجيش لاحقًا على عهد الرئيس الياس سركيس) مع عدد من الضبّاط والرتباء سيساعدوننا لتنظيم جهاز معلومات خاص بنا وطلب منّا أن ننسِّق معه.
- كان مركز القيادة قرب البيت المركزي؟
نعم. كان في بناية السوكوماكس. لأنّ بيت الكتائب معظم الوقت لم يكن من الممكن البقاء فيه بسبب القصف، والبناية كبيرة ومحمية، وكان فيها عدة مكاتب، الشعبة الرابعة والشعبة الثالثة وغيرهما من الشعب. جوني تمركز هناك أيضًا. كان هناك فرق كبير بين بيروقراطية الجيش والسيستيم الذي يعملون بموجبه وبيننا حيث كنّا معلومات وركض. غير سيستيم. حصل تعاون لغاية المبادرة السورية أواخر صيف 1976. في كانون الأول تلقّينا الأمر بتفكيك الأجهزة.
- متى عدتم؟
عمليًا كجهاز في أيار 1976 مع ميشال يارد كنّا درّبنا فريقًا من المقاتلين في كتائب الأشرفية على العمليّات الخاصّة. إذا أردنا توقيف أحد الأشخاص كيف ينفّذون المهمة وكيف يطوّقون المكان ويفتّشون ويفتحون الأقفال. درّبتهم على اللاسلكي وبعض القضايا التقنية. خلال معارك الأسواق تراجعت خطوط الدفاع إلى درجة أنّنا وجدنا أنفسنا أنّنا سنكون غير قادرين على الدفاع عن بيت الكتائب المركزي في الصيفي. شبّان كثيرون من مختلف المناطق استشهدوا بشكل كبير. أحد الأيام قرّر ميشال يارد، بسبب هذا الوضع، إرسال الشباب الذين التحقوا بنا ليقاتلوا في الأسواق. على رغم أن لا خبرة قتالية لديهم أصرّ على النزول والمشاركة على أن ينزل هو معهم. هو كان في "التنظيم" وتدرب مع "التنظيم". نزل واستشهد في سوق الخشب. جُرح معه مقاتل آخر. بعدها أحد الشباب معنا مهندس اسمه سامي استلم عدة أشهر حتى حصلت عملية التفكيك أواخر 1976 ودخول السوريين. الشباب اتجهوا كل في طريق. واحد على فرنسا. واحد على سلطنة عمان، وأنا كنت توظفت في معامل "سيدم" كوني تخرّجت مهندسًا وبدأت العمل وبقيت ثابتًا ضمن المجموعة التي أسّست الجهاز.
- أمّنت الاستمرارية؟
هكذا حصل. ولا أقول إنّ الفضل كان لي. من مرحلة لمرحلة عملنا الجهاز في الأشرفية.
- عدتم عام 1978؟
نعم عندما بدأت أحداث ثكنة الفياضية (8 شباط 1978) كنّا بلّشنا مسبقًا. قسم أكمل وقسم ترك والتحق بنا أشخاص جدد.
- لغاية هذا التاريخ لم يكن هناك دور لإيلي حبيقة؟
لا. لا. عام 1978 كان حبيقة مسؤولا عن الشعبة الثالثة التي تدير العسكر وتخطّط للعمليات.
يتبع غدًا السبت 8 آب 2026
جهاز الأمن بعد اغتيال مايا وقبل اغتيال بشير
قال لي بشير: اجتمع مع حبيقة ووحّدوا الجهاز
معلومات وصلتنا عن محاولة لاغتيال بشير في بيته