سألتُ يومًا شاعرًا عن الحب، فقال:
هو نارٌ تحرق القلب من أعماقه، ولا تبقي له إلا السؤال.
هو إحساسٌ يتغلغل حتى العظم، لا يعرف المكر والاحتيال.
هو قطراتُ ندى تنساب على وجنتَي الحبيب، كأنها شلال.
أهو حقيقةٌ تُلامس الإحساس، أم أطيافُ خيال؟
يولد الإنسان به من جديد، ويرفع منذ المهد أكفَّ الابتهال.
نعم... إنه الحب، السيد الأزلي، يفيض كأنهارٍ لا تعرف الزوال.
إذا حلَّ، اهتزَّت له الروح، وتبدّلت الملامح والأحوال.
وإن غاب، سكت القلب، وجفَّ الندى، واستحال الربيعُ إلى محال.
فهو زلزالٌ... وما بعده زلزال.
ثم سألته: وكيف للحبِّ أن يضمحلَّ ويُقال؟
فقال: لا يموتُ الحبُّ، بل تموتُ قلوبٌ أرهقها الإهمال.
إذا غاب الصدقُ عن الوصلِ، واستوطنَ الروحَ الارتحال.
وإذا صارَ الوفاءُ ثوبًا يُخلعُ عند أولِ منعطفٍ أو جدال.
يجفُّ النبعُ، وتذبلُ الورودُ، ويغدو العمرُ قفرًا لا ظلال.
لكنَّ الحبَّ الصادقَ، إن عاد، يعود كالمطرِ بعدَ طولِ انهمال.
يُحيي القلوبَ، ويبعثُ في الأرواحِ أنغامًا، ويكسرُ كلَّ الأغلال.
هو نفحةٌ من رحمةِ الله، وسرٌّ لا تُدركهُ العقولُ ولا يُحاطُ بالمقال.
فمن ذاقهُ عرفَ أنَّ الحياةَ بغيرهِ صحراءُ، وأنَّ القلبَ تمثال.
يبقى الحبُّ سيِّدَ الأزمنةِ، وإن تبدَّلتِ الوجوهُ وتعاقبتِ الأجيال،
فهو الوعدُ الذي لا يخون، وعهدٌ لا يعتريه زوال،
وهو زلزالُ الأنفس... وما بعدَهُ إلا زلزال.