أمل شموني

بترايوس لـ "نداء الوطن": على "حزب الله" نزع سلاحه وإلا

6 دقائق للقراءة
يضع تحليل بترايوس القوات المسلحة اللبنانية وليس الجيش وحده في صميم أي انتقال ناجح
واشنطن

في مقابلة نادرة، وصف الجنرال ديفيد بترايوس المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية والقائد السابق للقيادة المركزية الأميركية،"صيغة الإطار" بأنها نقطة تحوّل محتملة شرط أن تؤدي إلى تفكيك البنية العسكرية والمالية لـ "حزب الله". وكانت رسالته، التي عبّر عنها بصراحته المعهودة واضحة: استقرار لبنان وسيادته مرهونان بـ"تخلي حزب الله نهائيًا عن أسلحته" والسماح للقوات المسلحة اللبنانية "باحتكار استخدام القوة على كامل لبنان".

يُعدّ طرح بترايوس ذا دلالة بالغة، لأن "صيغة الإطار" المدعومة من الولايات المتحدة وُصفت بأنها تاريخية وبمثابة خطوة أولى نحو استقرار الحدود وتمكين مؤسسات الدولة، مع مواجهة صريحة لمشكلة البنية التحتية العسكرية لـ "حزب الله".

ولكن، كما قال بترايوس، فإن أي إطار لن يكون ذا جدوى إلا إذا "جرّد "حزب الله" من القدرة على التصرف كدولة داخل الدولة". ويمثل هذا تحديًا مباشرًا للوضع الراهن الذي حرص "الحزب" على ترسيخه والدفاع عنه بشراسة لعقود.

قال بترايوس: "هذه خطوة غير مسبوقة"مقرًا بأن الطريق أمام لبنان وإسرائيل وحتى الولايات المتحدة محفوف بـ"تحديات جمة". لكنه أصرّ على أنه "يأمل أن يُصبح هذا الإطار واقعًا، شرط التعامل بحزم مع ترسانة الحزب الموازية للدولة". يتناقض هذا الوضوح مع المراوغة والتبريرات التي لطالما طبعت تعامل لبنان الرسمي مع القوة العسكرية لـ "حزب الله".


الجيش اللبناني محور ارتكاز

يضع تحليل بترايوس القوات المسلحة اللبنانية، وليس الجيش وحده، في صميم أي انتقال ناجح. وقال: "قدرة المؤسسات العسكرية والأمنية مرهونة بالدعم المقدّم لها"، واصفًا إياها بأنها "تضم محترفين ومستعدين لمواجهة المهام الصعبة"، لكن بشرط أن يحصل عديدها على الموارد اللازمة لأداء مهماته. وأكد أن زيادة الدعم العسكري الأميركي "أمر بالغ الأهمية"، لا سيما مع بدء انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتوقع أن ينتشر الجيش اللبناني هناك ويمنع "حزب الله" من استعادة نفوذه.

يُعدّ هذا التركيز اعترافًا ضمنيًا بضعف الدولة اللبنانية التاريخي: نقص التمويل، والقيود السياسية، والانقسامات التي تحول دون مواجهة "حزب الله" بشكل مباشر. وقد حذّر بترايوس قائلا: "إنّ التنفيذ يعتمد على تحمّل الدولة اللبنانية للمسؤوليات التي لطالما تهربت منها، بما في ذلك نزع السلاح والسيطرة على كامل أراضيها". وأشار إلى "تسريب المعلومات"، و"الانقسام الطائفي"، و"عزوف الجنود عن قتال إخوانهم اللبنانيين"، باعتبارها تهديدات مستمرة لاستمرارية مشروع "صيغة الإطار".


"حزب الله" والفساد البنيوي

ما يجعل تصريحات بترايوس حاسمة هو استعداده لتسمية العقبة الحقيقية. فقد صرّح بأن الجيش يضم "متعاطفين مع حزب الله"، وأن هناك خطرًا حقيقيًا للانقسام على أسس "طائفية أو سياسية"، وأن الحكومات السابقة تجنّبت المواجهة مع "حزب الله" لمنع نشوب صراع أهلي. وهذا يُعدّ إدانة صريحة للنظام السياسي الذي ساهم "حزب الله" في ترسيخه: نظام تتفوّق فيه ترسانة "الحزب" على ترسانة الدولة، ويستطيع فيه حلفاء "الحزب" شلّ المؤسسات من الداخل.

وتُبيّن التقارير الحديثة أهمية كلامه فقد وُصفت "صيغة الإطار" بأنها تحوّل من المطلب اللبناني القديم بالانسحاب الإسرائيلي أولا، نحو إلزام الدولة اللبنانية بنزع سلاح الجماعات المسلحة. وقال دبلوماسي أميركي تعليقًا على كلام بترايوس إن "هذا هو تحديدًا نوع الضغط الذي طالما حاول "حزب الله" التهرب منه بالتذرع بالمقاومة والسيادة والردع، حتى مع تحول دوره العسكري إلى مصدر ضعف وطني بدلا من كونه مصدر قوة".

وأشار بترايوس إلى أن "حزب الله سعى مرارًا وتكرارًا إلى تصوير هذا الأمر على أنه ضغط غير شرعي بدلا من نزع السلاح". ومع ذلك، جادل بأن الدور العسكري للحزب أصبح "مصدر ضعف وطني لا قوة". وهذا يُعدّ توبيخًا حادًا لادعاء "الحزب" بأن ترسانته شكل من أشكال الدفاع الوطني؛ ففي رأي بترايوس، هي أكبر عائق أمام قيام دولة لبنانية فاعلة، وعقبة رئيسية أمام السيادة اللبنانية واستقرار البلاد.


الواقع الإقليمي

لم يتجاهل بترايوس السياق الإقليمي. فقد ثمّن كلام الرئيس السوري بشأن لبنان. وأكد أن على سوريا التركيز على "تحديات بناء الدولة الداخلية" وأمن الحدود بدلا من التدخل في لبنان. وقال: "إن منع انتقال الأسلحة عبر الحدود اللبنانية السورية سيفيد البلدين"، محذرًا من أن أي تدخل سوري في لبنان سيكون "خطيرًا سياسيًا نظرًا لتاريخ سوريا في لبنان".

وحذّر بترايوس من أن إسرائيل "على أهبة الاستعداد للتحرك إذا لزم الأمر". لكنه كان واضحًا بشأن المخاطر: "يدرك الجميع أن نزع سلاح "الحزب" بالكامل سيكون صعبًا للغاية وقد يتطلب أعمالا عسكرية إضافية". ودعا بترايوس "المسؤولين العسكريين اللبنانيين إلى التنسيق مع نظرائهم الإسرائيليين" خصوصًا بالتزامن مع اجتماعات روما.

وذكّر تقييم بترايوس بمدى خطورة تحريف "حزب الله" لحسابات الأمن الإقليمي، مشيرًا إلى أن "صيغة الإطار" الجديدة هي محاولة لتجنب هذه النتيجة تحديدًا: "البديل عن الانتقال السياسي هو استمرار خطر نشوب الحرب".

لم يقتصر تحليل بترايوس على لبنان فقط. فبالنظر إلى العراق، رأى تحديًا مماثلا وقال إن الاعتقالات الأخيرة بتهم مكافحة الفساد قد تشير إلى "إعادة تأكيد سلطة الدولة". وكان بترايوس قد طرح سؤالا جوهريًا في مقال صحافي: هل يتحول العراق إلى كيان "مهم استراتيجيًا بحد ذاته" بدلًا من كونه مجرد مشكلة تتطلب الإدارة؟


لماذا يُعدّ تحذير بترايوس مهمًا؟

لم يقدم بترايوس مجرد تصريح روتيني فكلامه يتسم بالمباشرة: إذ يجب على "حزب الله" التخلي أخيرًا عن سلاحه، ويجب أن يصبح الجيش اللبناني القوة الوطنية الوحيدة، كما يجب أن يساهم الدعم الأميركي في تحويل هذه الفكرة إلى واقع. وشدد قائلا: "أي تسوية جادة يجب أن تجرّد حزب الله من قدرته على العمل كدولة داخل الدولة".

وفي مقارنة دالة مع الوضع في لبنان، اعتبر بترايوس أن المشكلة لا تكمن ببساطة في عنف الميليشيات، بل في ضعف الدول التي تعجز عن احتكار القوة والموارد والثقة وهذا هو الفراغ الذي ازدهر فيه "حزب الله".

وتحمل الرسالة الأوسع دلالات أكثر قسوة بالنسبة لحزب الله؛ فلم يعد يُنظر إليه كطرف سياسي شرعي يمتلك جناحًا عسكريًا، بل يراه بترايوس العائق الرئيسي أمام السيادة والاستقرار في لبنان، وكذلك أمام أي نظام موثوق لمرحلة ما بعد الحرب. وحذّر من أنه دون تقليص حقيقي لقوته، فإن "صيغة الإطار" التي أُحيطت بضجة كبيرة تواجه خطر التحول إلى "مجرد هدنة موقتة بدلا من أن تكون إعادة ضبط سياسية دائمة".

باختصار، هل ينبغي قراءة تصريحات بترايوس باعتبارها تحديًا صريحًا للسياسات القائمة ومواجهة مباشرة للمشكلة الجوهرية وهي أن سلاح "حزب الله" ليس مصدر ردع، بل هو "عقبة رئيسية أمام السلام"؟