لا تُقاس خسائر سهل مرجعيون الزراعية بمساحة أرض احترقت، أو موسم لم يُحصد، أو شجرة يبست... فالمشكلة أعمق من ذلك بكثير.هنا، الأرض موجودة، والمواسم موجودة، والمزارعون حاضرون... لكن الوصول إلى الأرض بات مرهونًا بالوضع الأمني.
في سهل مرجعيون، تحوّلت الزراعة من مصدر رزق واستقرار إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر. فالمزارعون، ولا سيما في محيط الخيام وأطراف بلدة برج الملوك ومناطق أخرى من السهل، يجدون أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، والاعتناء بمزروعاتهم أو جني محاصيلهم. والنتيجة: مواسم ضاعت.
لكن الخسارة لا تتوقف عند موسم زراعي واحد. فالأشجار التي زرعها أصحابها قبل عشرات السنين تحتاج إلى سنوات طويلة لتعويضها، فيما يواجه المزارع اليوم خطر فقدان مصدر رزقه بالكامل.
«نداء الوطن» جالت في سهل مرجعيون، واستمعت إلى عدد من المزارعين الذين أطلقوا صرخة إلى الدولة والجهات المعنية، ولا سيما وزارة الزراعة، مطالبين بإيجاد حلول عاجلة تتيح لهم الوصول إلى أراضيهم وحماية ما تبقى من مواسمهم، قبل أن تتحول الخسائر الزراعية إلى انهيار اقتصادي واجتماعي يطال عائلات وقرى بأكملها.
شاهين: أرض تحترق ومواسم تضيع
يقول المزارع شاهين شاهين إن معاناة مزارعي السهل بدأت مع الحرب، موضحًا أن اشتداد المعارك كان يعني منعهم من الوصول إلى أراضيهم، فيما كانت فترات الهدوء القصيرة تمنحهم فرصة للنزول سريعًا إلى الحقول ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه.لكن الحرائق التي اندلعت في السهل، وفق شاهين، ألحقت أضرارًا كبيرة بالمزروعات والأشجار وشبكات الري. وكلما حاول المزارعون استئناف العمل خلال فترات الهدوء، عادت المعارك، فعاد معها المنع والخوف.ويقول: «جفّت المزروعات وضاعت المواسم، من دون أن يسألنا أحد ماذا خسرنا وماذا نحتاج».
ويضيف أن الحديث عن مساعدات وتعويضات للمزارعين بقي، بالنسبة إليهم، حتى الآن، مجرد وعود تُسمع عبر شاشات التلفزيون، من دون أن تصل إلى أرض الواقع.في بعض فترات الهدوء، يحاول المزارعون النزول إلى أراضيهم، وأحيانًا يضعون علمًا أبيض لتمييز وجودهم المدني. لكن سرعان ما تعود المخاطر، ومع سماع الطائرات في الأجواء، يضطرون إلى ترك كل شيء والفرار.
«نعمل ساعة ونخسر ساعات»، يقول شاهين، مشيرًا إلى أن المزارع يدفع أجور العمال وتكاليف نقلهم إلى الأرض، ثم يضطر إلى المغادرة من دون إنجاز العمل المطلوب.
الفحيلي: محاولة للبقاء
أما المزارع يوسف الفحيلي، فيضع إصبعه على موسم الزيتون، الذي يراه الاختبار الأكبر للمزارعين هذا العام.يقول إن أشجار الزيتون «حملت» هذا الموسم، وإن محصولًا كبيرًا ينتظر القطاف، لكن المشكلة لا تكمن في الوصول إلى الأشجار وحسب، بل في القدرة على نقل المحصول بعد قطافه إلى المعاصر.ويشير إلى أن مرجعيون والخيام والقليعة وبرج الملوك وسائر قرى السهل كانت في السابق تشكل «سلة غذاء» للمنطقة، إذ كانت أراضيها تنتج الخضار التي تصل إلى أسواق بيروت، من بندورة وخيار وبطيخ وغيرها.
أما هذا العام، فقد تبدّل المشهد بالكامل.«لا خضار، لا بندورة، لا خيار ولا بطيخ»، يقول الفحيلي، مشيرًا إلى أن القمح الذي زرع في مساحات محدودة لم يسلم هو الآخر من تداعيات الحرب.لكن الخطر الأكبر، بحسبه، يحيط اليوم بموسم الزيتون.
وهنا تبرز المفارقة: قد يتمكن المزارع من الوصول إلى أرضه وقطف الزيتون، لكنه قد لا يتمكن من نقل محصوله إلى المعصرة.وفي حال تعذر تشغيل المعاصر خلال موسم القطاف، فإن الخسارة لن تكون في موسم الزيتون وحده، بل في آلاف الأشجار ومصدر رزق آلاف المزارعين.
«لا نريد وعودًا... نريد أن نصل إلى أرضنا»
صرخة مزارعي سهل مرجعيون اليوم لا تتعلق فقط بالتعويض عن خسائر الماضي، بل بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مواسم الحاضر والمستقبل.