مذكرة جلب مالية اقتصادية دولية، أحضرت كل أركان النظام السياسي اللبناني وجمعتهم إلى طاولة واحدة، واضعة إياهم أمام خيارات وقرارات أحلاها مر، وما صدر عن الاجتماع من بيان خلاصته أن الاتجاه هو إلى عملية خصخصة مقنعة وبالتقسيط أو بالاحرى بالتسلل، والمؤسف أن التركيز على المؤسسات والقطاعات المنتجة الآن، أن ما كان محل معارضة، لا سيما من فريق العهد والذي دعا إليه الرئيس نبيه بري وهو إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية، تمّ الأخذ به وتبنيه بالكامل، وللمرة الأولى يتمّ أيضاً تبنّي طرح بري بإلغاء حصرية مافيا استيراد الفيول، والتحول الى مناقصة دولية بسقف محدد، والالتزام بالمهلة الدستورية لانجاز موازنة 2020، والتي ستتضمن توصيات الاجتماع والالتزام بمهلة الستة اشهر لمؤسسات التصنيف الدولية، والمباشرة بتسييل مقررات "سيدر" من خلال الالتزام بكل ما تعهدت به السلطة اللبنانية.
ولم تنفع "الحركات" التي اعتاد عليها اللبنانيون عند انعقاد هكذا اجتماعات، لا سيما بين المتخاصمين، في صرف الانظار عن عمق الازمة التي تتهدد لبنان، علماً أن الإحباط سيبقى سيد الموقف إلى حين يُظهر المعنيون العكس، فرئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" كان أول المغادرين لارتباطه بموعد سفر وفي ذلك دلالة على تسليم أمر الحل الى قوة خفية، لكنه عاد وغرّد ليلاً: "إن اجتماع بعبدا كان مفيداً وان اقتراحات الرئيسين عون والحريري مقدمة لمعالجة الوضع، لكن علينا أن نواجه بكل واقعية الصعوبات الهائلة التي وردت على لسان حاكم مصرف لبنان ووزير المالية...". تلاه الوزير جبران باسيل الذي فضل الانصراف الى مهرجان "التيار"، "حيث فاز بديمقراطية التزكية بعدما لم يتجرأ احد على منافسته في رئاسة التيار"، وترك عينه وأذنه الوزير سليم جريصاتي يكمل المهمة.
أما المشهد داخل القاعة فحمل رسائل عدة، لا مصافحة بين رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وباسيل وحتى لا تلاقي بنظرات العيون، كما أن جعجع عند دخول الرئيس كان وقوفه احتراماً لموقع الرئاسة وشخص الرئيس ولم يتحرك إلى مصافحته كما فعل آخرون، ورئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد دخل مصافحاً النائبين أغوب بقرادونيان وطلال ارسلان ورئيس "تيار المرده" سليمان فرنجية ولم يكمل المسير لمصافحة جنبلاط، الذي تعمّد الانكباب على قراءة الأوراق أمامه ولم يلتفت إلى النائب اسعد حردان، ولم يعر اهتماماً إلى حركة المصافحات، أما لقاء باسيل وفرنجية فشهد مصافحة عابرة بينهما من دون تلاقي العيون، بينما كان السلام حارّاً بين جعجع وفرنجية.
وإذ أكد رئيس الجمهورية على ضرورة "التضحية والتعالي عن خلافاتنا السياسية أو الشخصية"، شدّد رئيس الحكومة على أن بعض الاجراءات المنوي اتخاذها "ستكون سريعة وبعضها سيتمّ اتخاذه في جلسة مجلس الوزراء الخميس المقبل"، معتبراً أن "الورقة الاقتصادية التي قدمها رئيس الجمهورية تشكل الركيزة الاساسية للاجراءات التي ستناقش في لجنة سيترأسها تمهيداً لعرضها على مجلس الوزراء".
ثم عرض حاكم مصرف لبنان الوضع النقدي والمالي، وكذلك فعل وزير المال مع إضاءته على ما يجب التعويل عليه في موازنة 2020. في حين استعرض وزير الاقتصاد ورقة "مقترحات اجراءات اصلاحية اولية لمواجهة الازمة". ثم تعاقب على الكلام كل رؤساء الاحزاب والكتل وممثليهم.
وفي هذا الإطار، جاءت ورقة النائب سامي الجميل تحت سقف "5 لاءات" و"5 نعم"، بينما اعتبر الرئيس نجيب ميقاتي أنّ على "الحكومة تنفيذ ما اعلنته في بيانها الوزاري وأن تتمتع بقدر فيه الحد الأدنى من التماسك والتنسيق واحترام الأصول الدستوريّة".أما جعجع فتحفظ على "الدراسة" مقابل موافقته على البيان مطالباً بـ"صدمة ايجابية"، في وقت قدّم باسيل "ورقة" تضمنت جملة محاور وعناوين. وخلص الاجتماع إلى إصدار بيان من 15 بنداً أبرزها: "اعلان حالة طوارئ اقتصادية وتأكيد الاستمرار في سياسة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، اقرار موازنة 2020 ضمن المهل الدستورية بفائض اولي لا يقل عن 3% من الناتج المحلي ونسبة عجز على الناتج اقل من النسبة الواردة في موازنة العام 2019، فضلاً عن العمل على تقليص حجم الدين العام وتخفيض عجز الكهرباء الى 1500 مليار ليرة لبنانية".