أكد وزير الصحة ركان ناصر الدين أن "الاختلاف في الرأي داخل الحكومة يجب ألا يتحول إلى خلاف يعطل عملها"، مشددا على أن "الحكومة يفترض أن تعمل فريقًا واحدًا، وأن الأولوية تبقى لمعالجة الملفات العالقة واتخاذ قرارات تصب في مصلحة المواطن اللبناني".
وأشار إلى أن "السجال الذي شهدته الجلسة النيابية بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى يجب أن يعالج ضمن الأطر الحكومية"، مشيرا الى "حديث الرئيس سلام بأنه يتحدث باسم كل الحكومة". كما لفت إلى أن "جلسة بعد الظهر كانت أكثر هدوءًا"، معربًا عن أمله في أن "يستمر الهدوء بما يسمح بإنتاج قرارات تفيد اللبنانيين"، مشددًا على "أهمية معالجة القوانين العالقة، ورفع المظلومية عن بعض المسجونين، وحفظ حقوق أهالي العسكريين والمدنيين والضحايا".
وردًا على الحديث عن مواقفه السياسية داخل الحكومة، أوضح ناصرالدين أن "وزارة الصحة هي وزارة جميع اللبنانيين، وأنه يتعامل مع مسؤولياته الوزارية على هذا الأساس"، مؤكدا أن "ولاءه الوطني وخدمة المواطنين هما المعيار في إدارة الوزارة". وأوضح أن لديه، كما سائر الوزراء، "رأيًا سياسيًا يطرحه في مجلس الوزراء بكل حكمة وتروٍّ، لكنه يلتزم في الوقت نفسه التضامن الوزاري والسقوف الوطنية".
وأكد أن "أداء وزارة الصحة يجب أن يكون متوازنا وعادلا، بغض النظر عن الانتماءات السياسية"، مشيرًا إلى أن "الخدمات الصحية تقدم للجميع وفق المعايير المطلوبة من الشفافية والعدالة".
ودعا إلى "اعتماد نموذج سياسي يقوم على الاستماع إلى مختلف الآراء، ووضع المسؤول نفسه مكان الطرف الآخر لفهم وجهة نظره، مع الحفاظ على حق كل فريق في طرح موقفه ومناقشته في مجلس الوزراء أو مجلس النواب".
وفي الملف الصحي، تحدث الوزير ناصرالدين عن "استعداد وزارة الصحة للتعامل مع حالات الطوارئ خلال فترة الحرب"، مشيرا إلى أن "الوزارة راكمت خلال السنوات الماضية خبرة كبيرة نتيجة الأزمات المتتالية، من انفجار مرفأ بيروت إلى الانهيار المالي والحروب والاستهدافات التي طالت القطاع الصحي". ولفت إلى أن "الوزارة تعمل وفق منظومة للاستجابة للطوارئ، بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وسائر الجهات المعنية، من خلال مركز عمليات طوارئ الصحة العامة لإدارة الأزمات".
وأوضح أن "الوزارة، قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت تتابع مؤشرات التصعيد في المنطقة، لذلك بادرت إلى التواصل مع النقابات والمستشفيات الحكومية والخاصة والمنظمات الدولية بهدف تعزيز المخزون الطبي ورفع الجهوزية"، مؤكدا أن "هذا التعاون ساهم في استيعاب أعداد كبيرة من الجرحى خلال الحرب"، مشيدا بدور الأطباء والممرضين والصيادلة والمستوردين والصناعيين والمستشفيات الحكومية والخاصة في المناطق كافة.
وأشار إلى أن "الوزارة اعتمدت خلال فترات التصعيد آلية مركزية لتوزيع الجرحى على المستشفيات، بالتنسيق مع الجهات الإسعافية، بما يتناسب مع أعداد الإصابات وقدرة كل مستشفى على الاستيعاب"، مؤكدا أن "هذه الآلية ساهمت في التعامل مع أكثر من 1200 جريح في إحدى موجات الاستهداف، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من المصابين خلال مراحل أخرى".
وكشف أن "الوزارة وسّعت خلال الحرب نطاق التغطية الصحية لغير المضمونين، بحيث تشمل العمليات الأساسية والاستشفاء الضروري في المستشفيات الحكومية لجميع اللبنانيين، وليس فقط النازحين أو سكان مناطق محددة". وأوضح أن "الهدف كان تخفيف العبء عن المواطن غير المضمون ومنع تحوله إلى ضحية إضافية نتيجة عدم قدرته على تحمل تكاليف العلاج"، مشيدا بما قدمته مستشفيات طرابلس وعكار للمرضى من النازحين.
وفي ما يتعلق بجرحى انفجار مرفأ بيروت، أكد أن "الوزارة تتحمل مسؤوليتها تجاههم، معلنا أن كل جريح ما زال بحاجة إلى عملية جراحية سيحصل على التغطية اللازمة". وأوضح أن "تعميمًا سيصدر لتأمين التغطية لجرحى الانفجار في المستشفيات الحكومية، سواء كانوا مضمونين أو غير مضمونين"، مؤكدا أن "حقهم في العلاج هو واجب على الدولة ووزارة الصحة وليس منة من أحد".
كما أعلن "العمل على إشراك المستشفيات الخاصة الراغبة في هذه التغطية"، داعيا إياها إلى "التعاون مع الوزارة واستقبال جرحى المرفأ وفق التعرفات المعتمدة". وأكد أن "الوزارة مستعدة لمعالجة الحالات العالقة، بما فيها الحالات التي تعود إلى سنوات 2023 و2024 و2025، بالإضافة إلى الحالات الحالية"، مشدّدًا على أن "الوزارة ستتعامل مع كل حالة على حدة وأن أبوابها ستبقى مفتوحة أمام أي شكوى أو مشكلة تتعلق بالتغطية والاستشفاء".
وبالنسبة إلى الاختصاصات الطبية والكفاءة المطلوبة لكي يتمكن الطبيب من ممارسة المهنة، خصوصًا ضمن أقسام الطوارئ، شكر وزير الصحة "كل المؤسسات الأكاديمية الكبرى التي ينتمي إلى إحداها بشكل أساسي لما تقوم به من دور محوري في تدريب وتجهيز أطباء اختصاصيين نفتخر بهم في لبنان، لكن هذا الموضوع حساس نوعًا ما؛ فأي شخص يرغب في ممارسة هذه المهنة في لبنان، لا بد من وجود تنسيق بين النقابة والوزارة بشأن الإفادات والإجازات والاختصاصات، بالتنسيق مع وزارة التربية".
وتحدث عن موضوع الاختصاصات ما بعد الطب العام، فقال: "لدينا قسم يُسمى المهن الطبية في الوزارة، ويتواصل مع لجان متخصصة تمنح شهادة الاختصاص، لكن هناك نموذجًا جديدًا نعمل عليه حاليًا، وقد بدأنا به في الوزارة، يتعلق بطب الطوارئ، كون قسم الطوارئ يعدّ واجهة المستشفى والوحيد القادر على ضبط أعداد المرضى الذين يتوجب دخولهم أو عدمه، فضلاً عن تقديم العلاج وتحقيق الوفر في هذا المجال، وذلك عبر طبيب الطوارئ. لدينا تعاون كامل مع الجمعية اللبنانية لطب الطوارئ، ويحضر معنا هنا الدكتور أمين قزي الذي يمكنه التحدث عن هذا المشروع المتكامل بيننا وبين الجمعية".
وفي مداخلة للدكتور قزي قال: "معالي الوزير، أولاً أود أن أهنئك لأنك أول وزير يملك الجرأة لفتح موضوع من هذا النوع. فمن الطبيعي أن يكون برنامج التدريب للطبيب المتخصص كاملاً ومكتملاً، وأن يخضع لمعايير دولية رصينة للتأكد من اكتسابه الخبرة المطلوبة في جميع المجالات؛ فنحن نسلمه حياة الناس في ظروف حَرِجة، ولا بد أن نكون مطمئنين إلى أن هذا الطبيب أو الطبيبة يملكون الكفاءة والتدريب والقدرة على خدمة المريض في هذه الحالات الحساسة التي تكون فيها كل دقيقة ذات أهمية بالغة. لذا، فإن ما قمت به مع "جمعية طب الطوارئ" ونقابة الأطباء في لبنان من خلال المبادرة بالشراكة معنا لوضع المعايير المطلوبة لتمكين مراكز التدريب على مستوى الوطن من امتلاك هذه القدرة، لهو أمر مقدّر. وأنا أعلم أنك طلبت المشروع الذي عملنا عليه مع الدكتورة حتي ومعالي الوزير فراس الأبيض، وهو مشروع البنك الدولي الذي يستهدف إعادة تنظيم أقسام الطوارئ في كافة أنحاء لبنان. وإن اهتمامك لهذا الموضوع يعد أمرًا أساسيًا لضمان تقديم هذه الخدمات عبر مراكز ممتدة على مساحة الوطن، كي لا يصل مريض إلى طوارئ ولا تكون تملك القدرة على تأمين الرعاية المطلوبة. هذه رؤية مستقبلية أساسية، وأن تقوم بها في ظل أوضاع لبنان وظروف الحرب، وتنجح في تحقيق كل ما سمعناه وتخصص الوقت لهذا الموضوع، فهذا يستدعي التهنئة. ولي الشرف أن أعمل مع وزير مثلك، وأقول لك: أنت وزير تتجرأ على الذهاب حيث لا يتجرأ الآخرون".
تابع وزير الصحة مشيرا الى "ان الشيء الجديد الذي أنجزناه في دقيقة يتعلق بالرعاية الصحية الأولية، بحيث نحاول تعزيز دورها. فعندما تكون الفاتورة الاستشفائية مرتفعة جدًا ولا نتمكن من العلاج بالشكل المطلوب أو الكافي، يصبح التشخيص المبكر والوقاية أمرين أساسيين للغاية. نحن نضع هنا نموذجًا جديدًا عبر عقود بأسقف مالية مع مراكز الرعاية الصحية الأولية ومنها مراكز متميزة موجودة معنا وفي الدامور تساعدنا على التشخيص والعلاج المبكرين، فبحبة أسبيرين واحدة قد نمنع حدوث جلطة قلبية، ما يخفف الضغط والعبء عن المستشفيات. هذا استثمار إنساني قبل أن يكون ماديًا، حيث يتكامل فيه البعدان الإنساني والمالي".
وعن اتجاه الأونروا الى خفض المساعدات التي تقدمها للاجئين الفلسطينيين وتحميل هذا العبء للدولة اللبنانية، قال: " كنا نتحدث قبل قليل في عرض طويل عن حاجات اللبنانيين، ونقول "لبناني مضمون" و"لبناني غير مضمون"، ونحاول الموازنة لضمان توفير الخدمة الصحية للبنانيين، وبالكاد نستطيع تأمينها لهم. ونحن لدينا عبء كبير جدًا. ليس هذا فحسب، بل واجهنا ذلك أيضًا خلال فترة النزوح السوري، حيث كانت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) تغطي التكاليف، وفجأة رفعت يدها ووضعت الشقيق السوري الموجود في لبنان بمواجهة المستشفى، وأصبح يتوجب على وزارة الصحة التكفل بعلاجه. لنقلها بصراحة: وزارة الصحة لا تملك القدرة، ولو كانت لدينا القدرة لرعينا الجميع، لكننا لا نملك القدرة الكافية لتغطية اللبنانيين أنفسهم، فكيف بالخدمات الأخرى؟ ومع ذلك، فإن الملف الصحي ملف شائك؛ وإذا ظهرت لدينا الكوليرا مثلاً، فهي لا تميز بين فلسطيني أو سوري أو لبناني أو أي مقيم على الأراضي اللبنانية. نحن نقدم كل التعاون ونتناقش في هذا الموضوع مع منظمة الصحة العالمية. وفي مراكز الرعاية الصحية الأولية لا نضع قيودًا، بل يمكن للجميع دخولها والاستفادة من خدمات تقدمها الدولة اللبنانية في بعض الأماكن. لكن الأعباء الاستشفائية لا يمكن تحميلها للدولة اللبنانية، مع كل محبتي واحترامي لأهلنا وإخواننا الفلسطينيين أو السوريين".
أما بالنسبة إلى تفادي هذا العبء فاعتبر أن على "المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في هذا المجال ونحن مستعدون لكل أشكال التعاون، ومستعدون لإنشاء حزم علاجية بتسعير مخفض جدًا، وربما بهامش ربح ضئيل جدًا في مستشفياتنا الحكومية أو حتى من دون ربح، ومستعدون لفتح مراكز الرعاية الصحية الأولية وتقديم الأدوية إذا توفرت عبر التبرعات بواسطة أطبائنا وتمريضنا. لكن ككلفة وعبء مالي، لا نستطيع التحمل، فنحن بالكاد ننهض بأعبائنا. وأكرر التحية لجميع المقيمين غير اللبنانيين من إخواننا؛ فهم مرحب بهم ولهم خدمات وحزم، ولكن على المجتمع الدولي ألا يضعنا بمواجهتهم ولا يضعهم بمواجهتنا، بل عليه تحمل مسؤولياته. وأدعو الأونروا، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة الصحة العالمية، واليونيسف، وكل المنظمات التي نتشارك وننتواصل معها دائماً، إلى القيام بدورها في المناشدة وتحمل المسؤوليات في الخارج والداخل".
من جهة أخرى، أجاب وزير الصحة عن أسئلة طلاب الطب الحاضرين عن خطة الوزارة للأطباء الذين يتخصصون، سواء في الجراحة أو الطب، ليبقوا ويتخصصوا في لبنان في جميع الاختصاصات ولا يهاجروا، وقال: "رغم كوني أصغر وزير صحة، لم يمضِ وقت طويل على خروجي من المجال الأكاديمي وما زلت في هذه الشراكة؛ فبالأمس كنت في العيادة. طبعًا، هذه مسؤولية كبيرة جدًا عندما تكون في ظروف صعبة للغاية في لبنان. وعليّ واجبات كممثل للشباب اللبناني للحفاظ على فرصهم ووجودهم داخل المستشفيات. وعندما عُيّن الدكتور زعتر، كان من أصغر المتقدمين وهو الآن مدير أكبر مستشفى حكومي في لبنان. طبعًا لدينا سياسات استبقاء نعمل عليها لمساعدة القطاعات التمريضية والطبية للحفاظ عليهم، سواء عبر تفعيل دور نقاباتهم أو تفعيل تمويلها؛ فالطبيب أو الممرض إن لم يكن لديه ضمان شيخوخة وبدلات لمستقبله لن يتمكن من البقاء. هذه هي الخطط الأساسية التي نعمل عليها في الوزارة. وعندما نحسن ظروف المستشفيات فنحن نحسن فرص العمل. وقد سمعنا الدكتور عذراء يقول كيف بدأ الأطباء يتقدمون نحو المستشفى الحكومي، وهذه فرص عمل إضافية مع توسعها وتأمين فرصها".
أما بالنسبة إلى موضوع إتاحة المجال في المستشفيات الحكومية للعمليات المشتركة، فقال: " بدأنا بمذكرة تفاهم بين مستشفى بعبدا ومستشفى الروم ومستشفى أوتيل ديو. وفي مستشفى الحريري، ترسل الجامعة اللبنانية والجامعة العربية أطباء اختصاصيين إلى مستشفى بعبدا. ونحاول فتح فرص للأطباء المقيمين للاطلاع على هذه التجارب. كما أنشأنا مذكرة تفاهم بين الجامعة الأميركية ووزارة الصحة لنتمكن من إرسال أطباء إلى مستشفى صيدا التركي. وهناك فعاليات أكبر قد تشمل الاستثمار في مستشفى بعلبك الحكومي ليكون فيه أطباء مقيمون. ونحن نستفيد كوزارة صحة ومستشفيات حكومية لأن الأطباء المقيمين يغطون الأقسام المطلوبة ويكونون متوفرين على مدار الساعة، وفي المقابل نوفر لهم فرصاً تعليمية كبيرة؛ لأن المستشفى الحكومي يضم ضغط حالات كبيرًا يتيح لهم التعلم والاستفادة".
ختم: "أينما ذهبتِ في العالم تجدين طبيباً لبنانياً، وتجدين اسمه وسمعته محفورة لدى المرضى والمستشفيات، سواء في كندا، أميركا، أوروبا، أو الدول العربية والخليج والعراق. لقد استطعنا بناء هذه السمعة، وبفضل هذا التكامل سنحافظ على عنوان أن لبنان كان وسيعود إن شاء الله مستشفى الشرق".