منذ عام 1969، بدأ لبنان يتحول، بقرار من سلطته، سواء عن اقتناع أو تحت الضغط والإكراه، من دولة يفترض أن تكون صاحبة سيادة إلى حقل تجارب إقليمي ودولي. كان اتفاق القاهرة نقطة التحول الأخطر، إذ كرّس معادلة غير مسبوقة: دولة تمارس سلطتها على أراضيها، وفي الوقت نفسه تنظيم فلسطيني مسلح يملك حق استخدام جزء من أرضها لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل.
وكانت النتيجة معروفة: تآكل تدريجي للسيادة، وانقسام داخلي، ثم انفجار أمني وعسكري انتهى بحرب مدمرة دفع اللبنانيون ثمنها لعقود.
وبعد تنفيذ اتفاق الطائف، كان يفترض أن يتعلم لبنان من هذه التجربة وأن يعيد بناء دولة قادرة على احتكار قرارها وسلاحها. لكن ما حدث كان مختلفًا. أُعيد إنتاج الاستثناءات بصيغ جديدة: دولة تعيد الإعمار، وسلاح خارج مؤسساتها مرتبط بأجندات إيرانية، وفساد مؤسساتي، وتهرب ضريبي، وغسل أموال، واستغلال للسلطة، وتركيب للملفات القضائية، واستثناءات سياسية وأمنية تحولت مع الوقت إلى أمر واقع. وهكذا لم يستعد لبنان هيبة الدولة، بل استمر في إدارة حقل تجارب لمشاريع متناقضة تتصارع على أرضه وعلى حساب دولته.
اليوم، بعد عام على قرار الحكومة حصر السلاح بيد الدولة، يظهر الحديث عن «المناطق التجريبية» وكأن التاريخ يصرّ على إعادة نفسه. مرة أخرى، بدل تطبيق مبدأ السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، يجري التفكير في تجربة الدولة هنا، والتفاوض عليها هناك، وترك مناطق أخرى تحت سلطة الأمر الواقع. وكأن المطلوب أن نختبر الدولة في بعض المناطق، ونستثنيها في مناطق أخرى، وننتظر نتائج التجربة قبل أن نقرر ما إذا كانت السيادة اللبنانية تستحق أن تكون شاملة.
قد يكون من المنطقي والمفهوم أن يتم تنفيذ خطة استعادة سلطة الدولة بصورة مرحلية، لأسباب عملية وأمنية.، لكن السيادة نفسها لا يمكن أن تكون مرحلية. لا يمكن أن تكون الدولة كاملة في كسروان، وتجريبية في زوطر، ومقيّدة في حارة حريك، ومشلولة في الهرمل. لا يمكن أن تكون الدولة صاحبة القرار في منطقة، وشريكة في منطقة ثانية، وغائبة في منطقة ثالثة. الدولة إما أن تكون صاحبة السلطة والقرار على كامل أراضيها، أو أن يبقى لبنان دولة ناقصة السيادة، مهما كثرت البيانات الرسمية وارتفعت نبرة الخطابات.
المطلوب ليس اختبار قدرة الدولة على ضبط قرية أو مجموعة قرى، بل اختبار قدرتها على إنهاء أصل المشكلة: وجود سلاح وبنية عسكرية وأمنية خارج مؤسسات الدولة. فهذه ليست مجرد مسألة أمنية قابلة للتأجيل، بل خلل بنيوي في مفهوم الدولة نفسها. ولا يمكن بناء دولة حديثة بوجود قوة مسلحة تستطيع، منفردة أو بطلب من الخارج، أن تفرض معادلاتها على الدولة أو أن تؤثر في قرار الحرب والسلم.
أما انتظار صفقة أميركية ـ إيرانية، أو حرب جديدة، أو انسحاب إسرائيلي، أو تبدّل في موازين القوى الإقليمية، فليس سياسة دولة. إنه رهان جديد على مصالح الآخرين، يعيد لبنان إلى الدور نفسه الذي دفع ثمنه طوال عقود: أرضًا تتصارع عليها القوى، فيما يدفع اللبنانيون الثمن من أمنهم واقتصادهم وسيادتهم ومستقبل أبنائهم.
وإذا كان الهدف هو الوصول إلى انسحاب إسرائيلي مستدام من الأراضي اللبنانية، فإن السؤال الأكثر جدية لا يتعلق فقط بكيفية الانسحاب، بل بما سيضمن عدم تكرار الحرب بعد الانسحاب. ما الذي يمنع في المستقبل اندلاع حرب جديدة أو حصول اجتياح أو احتلال جديد؟ ومن يضمن ألا يعود حزب الله إلى بناء بنيته العسكرية والأمنية السابقة، فتتحول هذه البنية مجددًا إلى ذريعة لحرب جديدة ودمار جديد؟
الجواب الطبيعي في أي دولة ذات سيادة هو أن الضمانة يجب أن تكون الدولة نفسها، وأن يتولى الجيش اللبناني حماية الحدود والدفاع عن الأراضي اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلم حصرًا بيد السلطة الشرعية. لكن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق ما لم تكن عقيدة الجيش واضحة ونهائية في مسألة احتكار الدولة للقوة ورفض وجود أي قوة عسكرية موازية لها.
لذلك، فإن الطريق إلى انسحاب مستدام لا يمر عبر «مناطق تجريبية»، بل عبر استعادة الدولة هيبتها، وتثبيت عقيدة الجيش القائمة على «شرف، تضحية، وفاء»، وترسيخ مبدأ أن السلاح الشرعي وقرار الحرب والسلم هما حصريًا بيد المؤسسات الدستورية والجيش اللبناني. عندها فقط يصبح الجنوب أرضًا لبنانية تديرها دولة ويحميها جيش، لا ساحة مفتوحة للصراع الإيراني ـ الإسرائيلي، ولا منطقة اختبار لمعادلات إقليمية تتبدل بتبدل مصالح الخارج.
ربما آن الأوان لأن نعترف بحقيقة أكثر قسوة وبشاعة: لا يمكن أن يستمر لبنان في زواج قسري بين دولة مخدَّرة نسيت أنها صاحبة الحق الحصري في قرار الدفاع والحماية، ومنظومة مسلحة وقحة اغتصبت هذا الحق تحت أسماء وشعارات زائفة، لكن الزمن والتاريخ والحقيقة أسقطوا اليوم أقنعتها واحدًا تلو الآخر، فيما يدفع اللبنانيون منذ عقود ثمن هذا التناقض في كل حرب، وكل أزمة، وكل انهيار. وإذا كان هذا الزواج لم ينتج خلال العقود الماضية إلا القهر والخراب والحروب المتكررة، فقد يكون «الطلاق» العلني بين منطق الدولة ومنطق الدويلة هو الحل الوحيد لبناء دولة لا تكون أرضها مستباحة لمشاريع الآخرين، ولا شعبها رهينةً لمعادلاتهم، ولا مستقبلها حقلًا جديدًا لتجاربهم.