مئوية فيدل كاسترو... كوبا تدفع ثمن إرثه

4 دقائق للقراءة
لافتة تُظهر كاسترو مع شعار "الاشتراكية أو الموت" في هافانا (أ ف ب)

تحلّ الذكرى المئوية لميلاد قائد الثورة الكوبية الراحل فيدل كاسترو اليوم في خضمّ واحدة من أسوأ الأزمات التي عرفتها كوبا في الذاكرة الحيّة، مع نقص حاد في الغذاء والمياه، وانقطاعات مزمنة في الكهرباء، وضغوط أميركية متزايدة على النظام الشيوعي الفاسد في هافانا. وبينما أمضى الحزب الشيوعي هذا الأسبوع في إحياء ذكرى ميلاد كاسترو من خلال معارض وحفلات موسيقية ومؤتمرات، تساءل الكوبيون عن الوعود التي أطلقتها الثورة التي قادها كاسترو طوال أكثر من نصف قرن، وتساءلوا أيضًا عمّا إذا كان خلفاؤه على قدر المهمّة.

يُعدّ أولئك الذين دعموا كاسترو طوال سنوات حكمه من بين الأكثر تضرّرًا اليوم. ومن بينهم أنخيلا غوتيريز، البالغة 86 عامًا، التي قالت لوكالة "فرانس برس" إنها تشعر بـ "خيبة أمل" إزاء المسار الذي سلكته كوبا. وبعدما زارت عددًا من أكشاك السوق من دون أن تشتري شيئًا لأن الأسعار كانت مرتفعة جدًا، تساءلت: "لماذا يواصلون قطع الكهرباء بهذا الشكل؟ إنهم يفسدون الأمور". وتنتمي غوتيريز إلى الجيل الذي بلغ سن الرشد في عهد كاسترو واستفاد من الرعاية الصحية والتعليم المجانيين، اللذين تبنّتهما الثورة، لكن تكاد هذه الخدمات لا تكون موجودة اليوم.

رغم ذلك، لا يزال الود تجاه كاسترو قائمًا لدى البعض، حتى مع ازدياد صعوبة الحياة اليومية. مثلًا، لا تزال ميلدريد باريتو، وهي عاملة نظافة تبلغ 66 عامًا، تسمّيه "كومندانتي"، أي القائد، لكنها تقرّ بأن الحياة في كوبا باتت صعبة. أما ليونيل سواريز (54 عامًا)، فقد أمضى سنوات في جمع تذكارات الثورة، ويبجّل كاسترو بوصفه "المعلّم"، معتبرًا أنه لو كان حيًا لكان "سيضع استراتيجية في وقت كهذا". غير أن تفاقم وطأة الأزمة الحالية أجبر سواريز على بيع صورة لبطله الشيوعي لسائح أجنبي مقابل 100 دولار، قائلًا: "عليك أن تعيش".

ويتذكّر مؤيّدو كاسترو أنه قاد كوبا خلال أزمات متعدّدة، من غزوات مدعومة من أميركا، وحصار، ومحاولات اغتيال، إلى المعاناة الشديدة التي تسبّب فيها انهيار الحليف والداعم الرئيسي لكوبا، الاتحاد السوفياتي. ويرفض المؤيّدون الإقرار بأن النظام الذي أرساه كاسترو يشكّل المعضلة الرئيسية أمام ازدهار كوبا وتطوّرها، معتبرين أن المشكلة تكمن في غياب شخصية بحجم كاسترو لقيادة الثورة. وفي ورشة في هافانا القديمة، وسط جدران متشقّقة وأدوات عمل قديمة، يصف عامل التصليح روجيليو فالديفيا (54 عامًا) نفسه بأنه "فيديلي" حقيقي، وقال: "وُلدت في ظلّ الثورة، ومن خلالها تمكّنت من شق طريقي"، معربًا عن أسفه لغياب قيادة كاسترو عن كوبا اليوم. وأضاف: "فيدل لم يعد هنا، ولا أحد يمتلك القدرة التي كان يمتلكها فيدل".

أمّا بالنسبة إلى منتقدي كاسترو وأفكاره ومعارضيهما، فلا تكمن مشكلة كوبا في غيابه، بل في الإرث الذي خلّفه. ويتذكّر مانويل كويستا، وهو مؤرّخ وناشط معارض يبلغ 63 عامًا، أنه كان يرى كاسترو في شبابه بوصفه "منقذًا" جعل كوبا ما كانت تطمح إلى أن تكونه، إلّا أنه مع مرور الوقت، تلاشت تلك الصورة مع ابتعاد واقع الحياة في الجزيرة أكثر فأكثر عن وعود الثورة. واليوم، يعتقد كويستا أن تدهور ظروف المعيشة دفع كثيرًا من الكوبيين إلى النظر إلى كاسترو بوصفه "المهندس الأصلي لهذه الكارثة الوطنية".

وأقرّ حسن بيريز، وهو مؤرّخ وقائد طلابي سابق ومعاون مقرّب من كاسترو، بأن الذكرى المئوية تحلّ في "أعقد الظروف التي كان يمكن تصوّرها"، لافتًا إلى أن العقد الاجتماعي الذي صاغته الثورة "تآكل" في السنوات الأخيرة. فعلى مدى عقود، قدّمت كوبا مظلّة من الحماية الاجتماعية في مقابل انضباط سياسي صارم. أمّا اليوم، فيتساءل كثير من الكوبيين عمّا إذا كانت تلك المقايضة لا تزال قائمة.