مروان الأمين

لبنان بين إعادة تشكيل المنطقة ومصلحته

3 دقائق للقراءة

يعاد تشكيل المنطقة،سياسيًا وجغرافيًا، على وقع النار. فما زالت مفاعيل عملية السابع من أكتوبر 2023 تتفاعل وتتوسع، لتلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي والعسكري، وعلى طبيعة العلاقات والتحالفات بين دول تمتد من باكستان إلى مصر، ومن تركيا إلى اليمن. وفي هذا السياق، يأتي اجتماع مكة الذي جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، ليشكل إحدى أحدث العلامات على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع.

على الأرض، تغيّرت قواعد الاشتباك بصورة جذرية. سلاح الجو الإسرائيلي وصل إلى طهران واليمن، ويتحرك بأريحية فوق سوريا ولبنان. أما غزة، فلم تعد تلك التي كانت سياسيًا وعمرانيًا قبل الحرب، فقد دُمّرت بنيتها ومشهدها الحضري إلى حد كبير، فيما الجيش الإسرائيلي في قلعة الشقيف وهو على مشارف النبطية، حاضرة جبل عامل. هذا ميدانيًا، أما على المستوى السياسي، فنتيجة مباشرة لحروب "الإسناد" التي خاضها "حزب الله"، وجدت الشرعية اللبنانية نفسها مضطرة إلى الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذه الخطوة تمثل إنجازًا لإسرائيل التي نجحت في دفع لبنان إلى طاولة تفاوض لم يكن مطروحًا أن يجلس إليها في الظروف السابقة، فيما لبنان في المقابل يحاول، من خلال التفاوض، الحد من الخسائر والتخفيف من المفاعيل الكارثية التي خلفتها حروب "الإسناد".

إذًا، أتاح السابع من أكتوبر المجال أمام إسرائيل لتوسيع نفوذها السياسي والعسكري على نحو غير مسبوق، وربما في مدى لم تشهده المنطقة في تاريخها الحديث فإسرائيل لم تعد تتحرك فقط في ساحتها المباشرة، بل بات حضورها العسكري يمتد من غزة ولبنان إلى سوريا واليمن وإيران، بالتوازي مع اتساع قدرتها على التأثير في المعادلات السياسية الإقليمية.

في المقابل، يمكن قراءة اجتماع مكة وتوقيع اتفاق دفاع مشترك باعتباره محاولة لإنتاج نوع من التوازن الإقليمي في مواجهة التمدد الإسرائيلي المتسارع فالدول الثلاث لا تملك فقط عناصر قوة سياسية واقتصادية وعسكرية متكاملة بل تشكل ركائز أساسية في الاستراتيجية الأميركية في المنطقة والعالم الإسلامي.

وإذا كانت السعودية وتركيا تتمتعان بثقل سياسي وتأثير مباشر في معظم ملفات المنطقة، فدخول باكستان إلى المعادلة يضيف بعدًا مختلفًا فإسلام آباد ليست فقط دولة ذات قدرات عسكرية كبيرة، بل دولة نووية ما يمنح التفاهم الثلاثي بينها وبين الرياض وأنقرة وزنًا استراتيجيًا.

من هنا، إن اجتماع مكة محاولة بناء توازن جديد في المنطقة: توازن سياسي واقتصادي وعسكري وبشري في مواجهة اتساع النفوذ الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر.

وهذا التوازن، لن يهدف إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، بقدر ما هو محاولة لمنع تحوّل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى تفوق سياسي شامل أو السماح لإسرائيل بفرض خريطة جديدة للمنطقة منفردة بعدما نجحت الحرب في تغيير كثير من قواعد اللعبة التي حكمت الإقليم لعقود.

أما بالنسبة إلى لبنان فمصلحته تقتضي الحفاظ على علاقة إيجابية ومتينة مع السعودية وتركيا التي تشكل سندًا لاستقراره السياسي والاقتصادي.

وفي المقابل، لا يمكن للبنان أن يبقى أسير الجغرافيا المفتوحة على الحروب فمصلحته تقتضي الوصول إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ينهي حالة الحرب ويقفل الجنوب اللبناني أمام أن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو منصة لتصفية حسابات إقليمية لا مصلحة للبنان فيها.