الدكتور سايد حرقص

ما هو البديل عن التفاوض؟

5 دقائق للقراءة

هناك سؤال يجب أن يُطرح اليوم بصوت عالٍ، ومن دون خوف من أصحاب الشعارات الغوغائية: إذا كان التفاوض خيانة، فما هو البديل؟ الحرب؟ وإذا كانت الحرب هي البديل، فهل لبنان قادر على مواجهة أهوالها ودفع أثمان دمارها؟ ومن يملك حق تقريرها؟

لقد آن الأوان للتعقّل والخروج من أسر الشعارات الفارغة، والعواطف الجيّاشة، والأوهام المضلّلة، ووضع تجربة نصف قرن من الرهانات أمام اللبنانيين كما هي، بكل فظاعتها وإخفاقاتها، بلا تقديس ولا شيطنة، وبلا انتقائية في قراءة التاريخ.

منذ دخول السلاح الفلسطيني إلى لبنان، ثم انتقال مركز الثقل العسكري إلى سلاح حزب الله، عاش لبنان عقوداً من الحروب والمواجهات والعمليات العسكرية، في ظل دعم إقليمي عربي سابقا وايراني اليوم وإمكانات عسكرية هائلة، ووقت كافٍ لإثبات نظرية أن البندقية قادرة على تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة انطلاقاً من لبنان وفرض معادلة ردع تلغي إسرائيل من الوجود. ...لكن ماذا كانت النتيجة النهائية؟

الحقيقة التي لا يجوز دفنها تحت ركام الشعارات هي أن لبنان دفع وحده ثمناً هائلاً ،عن جميع الدول العربية، خدمة للقضية الفلسطينية سابقاً، وللدفاع عن النظام في إيران اليوم: حروبٌ، واجتياحات، واحتلالات، ودمار، ونزوح، وانهيار اقتصادي، وبنى تحتية مدمّرة، ودولة ضعيفة تتنازعها القرارات، وتخلّفت عن ركب قطار الحضارة الإنسانية، بعدما كان يُعرف قبل ذلك بـ«سويسرا الشرق».

وهنا تبرز عبارة «أبو إياد» التي تختصر مأساة التجربة الفلسطينية في لبنان: «عشق البندقية دمّر القضية وأعطى للعدو أجمل هدية».

منذ 1969، ما زال بعضنا يردّد مع أم كلثوم ونزار قباني ومحمد عبد الوهاب: «أصبح عندي الآن بندقية»، حتى تحوّل الاحتفاظ بالبندقية من وسيلة لتحقيق هدف وطني إلى هدف بحد ذاته، وأصبحت القضية في خدمة السلاح، بدلاً من أن يخدم السلاح القضية.

فإذا كان الهدف حماية لبنان، فكيف نحمي لبنان من حرب تدمره وتدمر اقتصاده وتهجّر أهله؟

وإذا كان الهدف تحرير الأرض، فكيف نحرر الأرض إذا كانت الحرب تحوّل، في كل جولة، قسماً جديداً منها إلى أرض محروقة ومحتلة؟

وإذا كان الهدف حماية الشعب، فكيف نحمي الشعب إذا كان الثمن في كل جولة هو نزوحه وتدمير مدنه وقراه ومصادر رزقه؟

قد لا تترك المغامرات المقبلة أرضاً صالحة لكي تُمارَس عليها أي مقاومة مستقبلية؛ لأن المقاومة تحتاج إلى شعب، وتحتاج إلى أرض، وتحتاج إلى اقتصاد ومجتمع قادر على الصمود. أما سياسة الأرض المحروقة، فإنها لا تدمر الأرض فقط، بل قد تدمر البيئة البشرية والاقتصادية والاجتماعية التي تسمح لأي مقاومة بالبقاء.

فما قيمة آلاف الصواريخ إذا تحولت القرى التي تحتضن الناس إلى ركام؟ وما قيمة القدرة على إطلاق النار إذا أصبح الشعب نازحاً، والاقتصاد منهاراً، والبنى التحتية مدمرة؟ أي انتصار هذا الذي يحتاج إلى تدمير الوطن كي يتحقق؟

بعد حرب تموز 2006، قال السيد حسن نصرالله في إحدى إطلالاته الشهيرة: «لو كنت أعلم»، في إشارة إلى أنه لو كان يعلم مسبقاً حجم التداعيات التي ستترتب على عملية أسر الجنديين الإسرائيليين، لما أقدم عليها بالطريقة نفسها.

هذه العبارة، بصرف النظر عن الجدل السياسي الذي أحاط بها، تحمل درساً بالغ الأهمية: القرارات العسكرية لا تُقاس فقط بما يمكن أن تحققه لحظة اتخاذها، بل بما يمكن أن تفتح أبوابه من تداعيات لا يمكن السيطرة عليها.

وهذه هي المشكلة التي يجب أن نتعلم منها اليوم. قد تبدأ الحرب بقرار محسوب، لكنها لا تنتهي دائماً وفق الحسابات نفسها، وهنا يصبح قصر النظر السياسي والعسكري متاهة تخدم العدو أكثر مما تخدم القضية.

ليس المطلوب أن نتخلى عن حقوقنا، ولا أن نستسلم لإسرائيل، ولا أن نقبل بشروطها. المطلوب أن نتعلم من التجربة: أن نتعلم من تجربة السلاح الفلسطيني، وأن نتعلم من تجربة حزب الله، وأن نتعلم من كل حرب دفع لبنان ثمنها.

فإذا كان أبو إياد قد أدرك أن «عشق البندقية» يمكن أن يدمر القضية ويقدم للعدو هدية، وإذا كانت تجربة حرب تموز قد أظهرت أن القرار العسكري المتهور قد يقود إلى نتائج تتجاوز الحسابات الأولية، فلماذا يصرّ البعض اليوم على إعادة إنتاج النموذج نفسه؟

لماذا يجب أن تكون الحرب دائماً هي الخيار الأول، والتفاوض هو الخيانة؟

لماذا لا نستخدم القوة لندعم السياسة، بدلاً من استخدام السياسة لتبرير السلاح؟

فإذا كان البديل هو الحرب لاستمرار السلاح، فإلى متى؟ خمسون سنة أخرى؟ وإذا كان البديل هو انتظار حرب جديدة، فكم من الأرض والمنازل والمصانع والمستشفيات والمدارس سيبقى؟

لقد جُرّبت البندقية نصف قرن، فهل نحتاج إلى نصف قرن آخر لكي نكتشف أن السلاح وحده لا يبني دولة؟

الحقيقة القاسية أن لبنان لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات عن الانتصارات، بل إلى استراتيجية تمنع تحويل الأوهام الأيديولوجية إلى كارثة وطنية. لقد آن الأوان أن نخرج من عقلية أن نحول بلدنا إلى كبش فداء خدمةً لمصالح الآخرين، وأن نحرق وطننا ليعيش الآخرون بسلام. فقد أحرقنا وطننا من أجل الدول العربية والقضية الفلسطينية، واليوم نحرقه من أجل حماية إيران.

لذلك، قبل أن يقولوا للبنانيين «ارفضوا التفاوض»، عليهم أن يجيبوا عن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: ما هو البديل؟

لأن التاريخ قد يغفر خسارة معركة، لكنه لا يغفر لمن يدمّر الوطن باسم الأوهام ومصالح الدول الغريبة.