ناضر كسبار

هل نُخرج المجرمين ونضع الصحافيين والإعلاميين والكتّاب مكانهم في السجن؟

3 دقائق للقراءة
جاء قانون الإعلام الجديد ليزيد الغموض غموضًا

وكأنه لا يكفي ما يعانيه رجال القانون والمواطنون من وجود قوانين غامضة وغير واضحة، حتى يأتي قانون الإعلام الجديد ليزيد الطين بلّة. إذ إننا كنا، ولا نزال، نتساءل عن سبب عدم تعديل القوانين النافذة التي تخلق الإشكاليات في تفسيرها، ويتم حسمها بنصوص مكتوبة واضحة، حتى لا تترك المجال للآراء الفقهية المتناقضة، وللأحكام والقرارات المختلفة التي تصدر عن صواب أو عن خطأ في التفسير. وبدلا من الأخذ بعين الاعتبار النقاط الخلافية التي شهدناها على مر السنين، وعدم الاتكال على الاجتهاد والقرارات التي تصدر، وحسم الأمور بنصوص قانونية واضحة، جاء قانون الإعلام الجديد ليزيد الغموض غموضًا، وليترك المجال للتفسير، خصوصًا وأننا بتنا نسمع ونقرأ آراء لبعض رجال القانون الذين يحدّدون، للأسف، مواقفهم في ضوء انتمائهم السياسي أو المذهبي.

وكي لا نبقى في مجال النظريات، نعود إلى نص المادة 104، الفقرة "ب"، التي ورد فيها: كل من تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية، يُعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تُحدَّد بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور وتصل إلى خمسة عشر ضعفًا، أو بإحدى هاتين العقوبتين.

فالنص يتكلم عن اختلاق أضاليل وعن نشر أخبار كاذبة ومؤذية. فمن الذي سوف يقدّر ويفسّر عبارة "اختلاق أضاليل"؟ وماذا تعني كلمة "أضاليل"؟ وما هو معيار الأخبار الكاذبة ومفهومها؟ في ظل متابعتي لدعاوى المطبوعات منذ العام 1990، وهي بالعشرات، لا بل بالمئات، وبحكم نشر مئات القرارات المتعلقة بالمطبوعات، فإن أحدًا لم يستطع وضع معيار ثابت وواضح لمفهوم عبارة "الأخبار الكاذبة". والأخطر هو أننا أمام قانون ينص على عقوبة الحبس التي تصل إلى ثلاث سنوات، وليس قانونًا مدنيًا أو تجاريًا. فالحبس ليس بالسهولة التي يتخيلها الناس، خصوصًا في بلد مثل لبنان، حيث زرنا السجون واطلعنا على أوضاع المساجين التعيسة جدًا. فكيف الأمر إذا كان المسجون إعلاميًا أو مواطنًا أعطى رأيه في ملف أو موضوع معين؟ وهل نُدخل الإعلاميين والكتّاب السجون بعد أن نُخرج منها المجرمين الحقيقيين الذين شملهم قانون العفو العام، الذي صدر في اليوم عينه، ونضعهم مكانهم في السجن؟

والأنكى أن المشترع استعمل كلمة أضاليل. فماذا تعني هذه الكلمة؟ ومن يفسرها؟ ومن يكفل بأن لا تفسر بشكل اعتباطي؟

كنا ولا نزال نقول، وبجرأة تامة، إن الحرية الإعلامية المكفولة بالدستور، يجب أن تكون مسؤولة. وكرامات الناس ليست مستباحة أمام من يكتب بقصد الأذى والابتزاز ولمصالح سياسية واجتماعية ضيقة. ولكن حتى نعاقب الكاتب، يجب إيراد نصوص واضحة وضوح الشمس لأن المسألة مسألة حبس ودخول سجن وليست مسألة مادية فقط.

من هنا، نتمنى إعادة صياغة هذا القانون بعبارات واضحة لا تترك أي مجال للتفسير المتعدد الأوجه، حتى لا نترك أي مجال للخطأ أو التوسع في التفسير، أو لاستغلال الغموض في سبيل خدمة هذه الجهة السياسية أو تلك، وهذه الجهة النافذة أو تلك.


نقيب المحامين في بيروت سابقًا