لم تعد الطائفية في لبنان تسبب حرجًا لمن يتمسك بها من دون مداراة أو مراعاة. وكأنها ولَّادة شياطين كانت أسيرة قمقم، ساهمت في إطلاقها الظروف الناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية واحتلالها أراضي في جنوب لبنان ردًا على مغامرة حروب الإسناد التي التزمها "حزب الله" نصرة لغزة وثأرًا لخامنئي، ليستشري في النسيج اللبناني تعصب ورفض للآخر لا يمكن تجاهله، مهما حاول البعض إنكار وجوده.
والمفارقة أن التعصب الذي تعتنقه الجماعات الطائفية له في قاموس كل منها ما يبرره وطنيًا. فمن يدور في فلك "حزب الله" يصوِّر المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بأنها تجلب العار والذل، مع اتهام للدولة بأنها "تخلت عن سيادة لبنان، فقط للتآمر على الشيعة، الذين يصرون على مواجهة إسرائيل حتى إزالتها من الوجود وحدهم، دون سائر الطوائف اللبنانية". بالتالي، "الشيعة هم الوطنيون، وغيرهم خونة". وهذا الغير قد يكون بعيدًا كل البعد عن الطائفية، ويرى أن استفراد "الحزب" بقرار الحرب والسلم، مع تبعية عقائدية للولي الفقيه، يورط جماعته أولا، ويجعلها ضحيته، ومن ثم يورط لبنان في هذه العبثية غير المتكافئة التي جعلت من المفاوضات كأس سم لا بد من تجرعها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وعلى المقلب الآخر، نجد أن المنطلق الطائفي هو الذي يحدد سلوك جماعات تعتبر الشيعة كلهم هم "العدو"، وتتهمهم بأنهم جماعة "غير لبنانية، تابعة لإيران، ولا يهمها الإضرار بمصلحة لبنان، فالألوية لديها لتأمين المصلحة الإيرانية، أولا وأخيرًا"، ولا يتورع من ينطق بلسان هذه الجماعات عن دعوة "الشيعة للهجرة إلى إيران، أو التزام مناطقهم، وعدم مغادرتها إلى مناطق الوطنيين الآمنة، حتى لا يجلبوا الدمار إليها"، مشددًا على أن وطنيته 24 قيراطًا، ووطنية غيره مغشوشة وفاسدة، ومتجاهلا أن النسيج الوطني يتسع للبنانيين كلهم بمعزل عن طوائفهم.
وينسى من لم يعد يجد حرجًا في إشهار تعصبه أن التجارب والحروب الأهلية التي عاشها اللبنانيون بيّنت باليقين مدى استخدام زعيمه الطائفي لغرائزه ليمسك بمفاتيح السلطة والنفوذ، ولا يهمه إلا حصته التي إذا مُسّت فكأنما مُسّت الطائفة... وحينها "يا غيرة الدين".
أما الهوية الوطنية والعقد الاجتماعي الجامع، فشعاران يجب إزالتهما إذا ما تضاربا مع مصلحة الزعيم الباحث عن جماعة لا يتجاوز دورها كونها أداة في يده، ليبقى الآخرون الخارجون عن جماعته مشروع تعايش يمكن نسفه عندما تستدعي الحاجة.
فمن يقف خلف متراس طائفته، ولا يجد حياء في تعصبه الطائفي، شيعيًا كان أم سنيًا أو مسيحيًا، وينسى أنه لبناني وواجبه أن يحمي دولته ويستقوي بها دون سواها، ويعلن رفضه استقبال الآخر من مناطقه، وخوفه من الذهاب إلى مناطقهم، ما هو إلا زبون من زبائن مشروع لا يريد أن يكون على قياس الوطن، ويعمل ليصبح الوطن على قياسه.