في عمله الجديد "The End of Oak Street"، يعود الكاتب والمُخرج David Robert Mitchell، صاحب فيلمَي "It Follows" و "Under the Silver Lake"، إلى هاجسه الأثير: تشريح الضواحي الأميركيّة وتعريتها لكشف الخراب الكامن تحت واجهاتها اللامعة. هذه المرّة يفعل ذلك عبر فكرة جامحة، إذ يستيقظ سكّان ضاحية "Flowervale" الهادئة ليجدوا أنفسهم قد انتقلوا زمنيًا إلى عصر تجوب فيه ديناصورات ضخمة شوارعهم المرصوفة بعناية.
تدور الأحداث حول عائلة "Platt"، التي تضم "الأب غريغ" (يؤدي دوره Ewan McGregor) و "الأم دنيز" (بدورها Anne Hathaway)، وابنتهما "أودري" وابنهما "براين". قبل وصول الديناصورات، كانت هذه الأسرة تتصدَّع بهدوء تحت وطأة أسرار دفينة. وحين تنقلب حياتهم رأسًا على عقب، يجدون أنفسهم مُضطرين إلى تأجيل خلافاتهم من أجل النجاة. لكن ميتشل لا يكتفي بتوظيف الكارثة كذريعة للتشويق البصري، بل يجعلها مرآة تكشف كيف يواجه البشر الانهيار بالإنكار وبمحاولة تطبيع الرّعب المُحيط بهم طالما بقيت جدرانهم آمنة.
بُنية الفيلم تقوم على الانتقال من مشهد إنقاذٍ إلى آخر، وقد يبدو هذا النمط متكرّرًا للوهلة الأولى. لكنه يُشكّل فعليًا انعكاسًا مُتعمَّدًا لفلسفة الفيلم ذاتها، في الهروب الدائم للشخصيّات من مواجهة الحقيقة. ولعلّ أحد أكثر المَشاهد تأثيرًا هو عندما تتحصَّن العائلة داخل منزلها وتُسمِّر الألواح على النوافذ، بينما تتردَّد من الخارج أصوات طلقات ناريّة مكتومة، ربما لجيران يحاولون النجاة بأنفسهم. لكن أصوات المطارق تعلو على صرخاتهم، في إشارة سمعيَّة بالغة الذكاء إلى كيفيَّة إقصاء الأسرة لمُعاناة الآخرين من وعيها لصالح نجاتها الخاصَّة.
كما يوظِّف مدير التصوير البارع جدًا Mike Gioulakis لقطات تقطع الأنفاس للطّرق المسدودة في الحي، تلك الطّرق التي تتحوَّل من رمز للألفة اليوميّة إلى فخّ قاتل حين تنقضّ عليها الوحوش المُفترسة. أمّا الموسيقى التصويريّة للمؤلّف Michael Giacchino، فتلعب بذكاء على التناقض بين الانتصار والانكسار، ما يُضفي صبغة من العبثيّة المُحبَّبة التي تكسر حدّة التوتر. بينما يُحافظ الفيلم على أداءٍ تمثيلي متميّز، بالأخص من آن هاثاواي التي تنجح في حمل الحب الشرس والحسرة الصامتة في التعبير الواحد، ومن الشاب Christian Convery (بدور الابن)، الذي يمزج ادّعاء الشجاعة الطفوليَّ برُعب داخلي مكتوم.
عندما وصلنا إلى المشهد الأخير، ونحن نشاهد الفيلم على شاشة "IMAX"، كانت تلك واحدة من المرّات النادرة جدًا خلال العقد الأخير التي خرجنا فيها من صالة السينما ونحن نحمل ابتسامةً ودمعة في آن معًا. ليس لأنّ الفيلم يلجأ إلى استدراج عاطفي متصاعد، بل لأنّ المشهد يبلغ في لحظاته الأخيرة كثافة وجدانيّة نادرة، كفيلة بتوليد أثر يتجاوز حدود السَّرد نفسه! إنها لحظة لا تكتفي بإنهاء الحكاية، بل تُعيد تعريف كل ما سبقها عاطفيًا، فتجعلنا ننظر إلى الرحلة كاملةً من زاوية مختلفة. وهنا تحديدًا تتجلّى براعة دايفيد روبرت ميتشل الإبداعيّة، إذ يعرف أنّ أقوى النهايات ليست بالضرورة تلك التي تشرح كل شيء، وإنما تلك التي تترك في المُشاهد شعورًا يصعب اختزاله في كلمة واحدة.
ينجح "The End of Oak Street" في الجمع بين تشويق أفلام الديناصورات وصدق الدراما العائليَّة، ليُقدِّم عملا استثنائيًا يستحق أن يُشاهَد أكثر من مرة... فهو ببساطة، أحد أكثر أفلام الديناصورات إثارةً منذ "Jurassic Park". لا تفوِّتوا روعة مشاهدته في جميع صالات السينما اللبنانيّة والعالميّة.