الصدي يعيد رسم قطاع الكهرباء: وقف الهدر وفتح الباب أمام الاستثمار والغاز العربي

4 دقائق للقراءة

تقول مصادر مطّلعة على ملف الطاقة إن وزير الطاقة الحالي جو الصدي لم يرث قطاعًا يؤمّن تغذية كهربائية على مدار الساعة، ولم يعد بتحقيق ذلك بـ«سحر ساحر»، إنما تسلّم قطاعًا يعاني أزمات متراكمة على مختلف المستويات، من الهدر الفني وغير الفني الذي وصلت نسبته إلى نحو 40 في المئة على مستوى لبنان، مرورًا بانقطاعات شاملة للكهرباء حصلت أكثر من مرة في عهود سابقة، وتحديدًا خلال ولاية الوزير السابق وليد فياض، وصولًا إلى الإرث المالي الثقيل للقطاع، بعدما كبّدت الكهرباء الخزينة العامة قرابة 30 مليار دولار خلال السنوات الممتدة بين 2009 و2025. ورث صدي معامل إنتاج غير قادرة على تلبية حاجات الناس، في الوقت الذي لا تملك الدولة قدرات للاستثمار في هذه المعامل بسبب الأزمة المالية التي لم يخرج منها لبنان حتى الساعة، بعكس المراحل السابقة التي فُتحت أمامها كل الفرص، وكان مصيرها الفشل والهدر وسوء الإدارة.

وتشير المصادر إلى أن وضع هذه الوقائع أمام الرأي العام ضروري لفهم حجم التحدي الذي واجهه صدي عند توليه حقيبة الطاقة، معتبرة أن معالجة تراكمات بهذا الحجم لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها.

وبحسب المصادر، بدأ صدي مقاربته للقطاع من المشكلة المالية التي شكّلت طوال عقود أحد أبرز مصادر استنزاف الخزينة. فقد كان قطاع الكهرباء يعتمد سنويًا على سلف تصل إلى نحو مليار ونصف مليار دولار، من دون وضوح كافٍ بشأن إعادة هذه الأموال إلى الدولة. فلم يعد شيء إلى الدولة، وتبخرت الأموال آنذاك.

وتعتبر المصادر أن هذا «الاستثناء السلبي» تحوّل مع الوقت إلى قاعدة في إدارة القطاع عبر «السلف»، وساهم في تعميق الفجوة المالية التي تحمّل لبنان تداعياتها. ومن هنا، اعتمد صدي قاعدة مختلفة تقوم على أن ما تجبيه مؤسسة كهرباء لبنان هو ما يجب أن يُستخدم لشراء الفيول، وإيقاف سياسة السلف والمديونية التي حكمت القطاع سابقًا. وتصف المصادر هذه المقاربة بأنها «تحوّل أساسي في طريقة إدارة الملف، لأنها تسعى إلى وضع حد لمسار الاستدانة المفتوح الذي استمر سنوات طويلة».

وتضيف أن صدي «انتقل من معالجة الجانب المالي إلى العمل على قوننة القطاع وترتيبه إداريًا، بهدف جعله أكثر قابلية للاستثمار، عبر توفير شروط واضحة وضمانات تسمح للقطاع الخاص بالنظر إلى قطاع الكهرباء بطريقة مختلفة».

وفي هذا السياق، تضع المصادر «تشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء، بعد انتظار دام 23 عامًا، في صلب هذا المسار، معتبرة أن أهميتها لا تقتصر على تشكيل هيئة جديدة، وإنما تكمن في نقل القطاع تدريجيًا إلى مرحلة من المأسسة والإدارة الأكثر شفافية».

وترى المصادر أن «ورقة سياسة الكهرباء التي أعدتها الهيئة الناظمة تضمنت إدخال القطاع الخاص إلى مجال الإنتاج»، وهو ما تعتبره تحولًا استراتيجيًا في قطاع اعتاد لعقود على إدارة مركزية مرتبطة بالدولة، والتي لم تعد قادرة على تمويل إنشاء معامل جديدة في ظل الأزمة المالية.

أما الخيار الاستراتيجي الآخر، وفق المصادر نفسها، فيتمثل في «إدخال لبنان على خط الغاز العربي». وتشير إلى أنه، وفق المسار الموضوع، وبعد الانتهاء من صيانة أنابيب الغاز في طرابلس، يُفترض أن يبدأ معمل «دير عمار 1»، بين أواخر أيلول وأواخر تشرين الأول المقبل، بإنتاج الكهرباء باستخدام الغاز، بما قد يوفّر نحو ثلاث ساعات إضافية من التغذية.

وتوضح المصادر أن «تشغيل المعمل على الغاز من شأنه كذلك خفض كلفة التشغيل شهريًا، مقارنة بالفيول، بنحو 35 في المئة من الكلفة الحالية»، ما يجعل «الانتقال إلى الغاز خيارًا يجمع بين زيادة القدرة الإنتاجية وخفض الكلفة وتقليل الأثر البيئي». ولا تقف الخطة، بحسب المصادر، عند «دير عمار 1»، إذ يمكن أن تمتد مستقبلًا إلى معملي الذوق والزهراني.

وترى المصادر المطلعة أن «أهمية مقاربة صدي يجب قياسها بالمسار الذي يعمل على تأسيسه للمراحل المقبلة، من وقف النزيف المالي إلى تفعيل الهيئة الناظمة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء، وإعادة الغاز إلى معادلة إنتاج الكهرباء».

وتخلص المصادر إلى أن «هذه الخطوات تشكّل جزءًا مهمًا من عملية إعادة تأسيس قطاع الكهرباء على قواعد الاستدامة والشفافية والوضوح المالي والإداري»، معتبرة أن نتائج هذا المسار ستظهر تدريجيًا على مستوى التغذية والكلفة وقدرة القطاع على جذب الاستثمارات، وأن «ما يجري اليوم هو مسار تأسيسي جديد لقطاع الكهرباء سيلمس اللبنانيون نتائجه قريبًا».