ماذا يحدث عندما يُمنح الشباب اللبناني فرصة حقيقية لمناقشة أكثر القضايا حساسية، بعيداً من الأحكام الجاهزة والانقسامات الموروثة؟ وماذا يقول جيل جديد عن الهوية والدين والحرية وخطاب الكراهية، حين يجلس أفراده وجهاً لوجه ويحتكمون إلى الحجة بدل الخصومة؟
الإجابة جاءت من قاعات مدارس لبنانية تحوّلت، خلال العام الدراسي 2025-2026، إلى مختبر حيّ للأفكار. فمن خلال مشروع «المناظرات حول مواضيع جدلية»، المستوحى من برنامج «ألوان للتربية على العيش معاً»، فتحت مؤسسة «أديان» الباب أمام مئات التلاميذ لمناقشة ملفات لطالما أثارت انقسامات في المجتمع اللبناني.
ووثّقت المؤسسة حصيلة التجربة في كتيّب بعنوان «إجابات التلاميذ والتلميذات اللبنانيين حول مواضيع جدلية»، نقل أصوات المشاركين وأسئلتهم وهواجسهم، كاشفاً عن جيل لا يكتفي بتلقّي الإجابات، بل يصرّ على طرح الأسئلة الصعبة.
نحو 300 تلميذ وتلميذة من المرحلة الثانوية شاركوا في هذه التجربة، ينتمون إلى 26 مدرسة موزعة على مختلف المحافظات اللبنانية. ومن بينهم 128 مناظراً ومناظرة خاضوا مواجهات فكرية داخل المدارس، إضافة إلى 35 طالباً شاركوا في مناظرات مشتركة حول العلاقة بين الإيمان والعلم.
ولم تكن النقاشات سهلة أو تقليدية، إذ اقتحم المشاركون عشرة ملفات شائكة، شملت الهوية، والتنوع الديني، والمعرفة المتبادلة بين المسيحية والإسلام، والمصالحة والتعاون، والإعلام وخطاب الكراهية، وتحويل النزاعات، والإرث الثقافي، وحرية الدين والمعتقد، والتواصل اللاعنفي، والعلاقة بين الإيمان والعلم.
واعتمدت المناظرات نموذج «لينكولن-دوغلاس»، القائم على بناء الحجج وتحليلها وتفنيدها. وهكذا، وجد التلاميذ أنفسهم أحياناً أمام تحدّي الدفاع عن مواقف لا تشبه قناعاتهم الشخصية، ما دفعهم إلى الخروج من مناطق الراحة، وفهم الرأي المقابل، والاحتكام إلى الأدلة والمنطق.
الأرقام، بدورها، كشفت نجاح الرهان. إذ أكد 99 في المئة من المشاركين حصولهم على فرصة كافية للتعبير، فيما اعتبر 89 في المئة أن موضوعات النقاش مثيرة للاهتمام. وأفاد 68 في المئة بأنهم استفادوا كثيراً من اللقاءات، وأبدى 94 في المئة حماسة للمشاركة في مناظرات جديدة.
لكن المكسب الأبرز لم يكن الانتصار في المناظرة، بل فهم الآخر. فقد اختار 33 في المئة «فهم وجهات النظر المختلفة» بوصفه الفائدة الأهم، فيما رأى 27 في المئة أن التجربة طوّرت قدرتهم على التعبير عن آرائهم.
في بلد كثيراً ما يتحوّل فيه الاختلاف إلى انقسام، قدّم هؤلاء الشباب نموذجاً معاكساً: يمكن مناقشة الدين من دون إلغاء، والهوية من دون تعصّب، والحرية من دون كراهية. أما الرسالة الأهم، فهي أن الجيل اللبناني الجديد لا يخاف الاختلاف، بل يبحث عن أدوات أكثر وعياً وعدالة لإدارته.