جوان نعوم

في أعماق لبنان: الدولة التي بناها "حزب الله" تحت الأرض

10 دقائق للقراءة

كتبت جوان نعوم في موقع The Beiruter المقال الآتي:


لم يتخيّل اللبنانيون يومًا أن مقولة «دولة داخل الدولة» يمكن أن تُؤخذ بهذا المعنى الحرفي. فقد مارس "حزب الله" مستوى من السيطرة على أجزاء من لبنان، إلى حدّ أن التنقّل داخل معاقله قد يخضع للتدقيق. لكن ما ظهر تحت سطح الأرض يكشف عن واقع أعمق بكثير.

ويبدو أن شبكة أنفاق "حزب الله" تمتد إلى ما هو أبعد بكثير، بدءًا من ممرات ضيقة بحجم يسمح بمرور الأشخاص، وصولًا إلى ممرات واسعة تحت الأرض ومخابئ ومجمّعات عسكرية صُممت لتخزين الأسلحة ونقل المقاتلين والاستعداد للحرب.

كيف بُنيت هذه الأنفاق، ومن تستّر عليها ومن كشف عنها، وما الذي تم رصده والإبلاغ عنه، وكيف تمكّنت بنية تحتية عسكرية بهذا الحجم من أن تترسّخ من دون أن توقفها الدولة؟

نيكولاس بلانفورد: السرّية وراء شبكة أنفاق "حزب الله"

قال نيكولاس بلانفورد، المحلل السياسي والأمني في المجلس الأطلسي، لـ«The Beiruter» إن البنية التحتية ل"حزب الله" تحت الأرض تطورت بشكل كبير بعد حرب عام 2006، وانتقلت من أنفاق بسيطة نسبيًا بحجم يسمح بمرور الأشخاص إلى شبكات متطورة قادرة على استيعاب المركبات والأسلحة وأعداد كبيرة من المقاتلين.

وقبل عام 2006، يُحتمل أن يكون "حزب الله" قد بنى أكثر من ألف نفق صغير في مختلف أنحاء جنوب لبنان. وقال بلانفورد: «كانت أنفاقًا بحجم يسمح بمرور الأشخاص، وممرات ضيقة، وليست من النوع الذي يمكن قيادة المركبات والشاحنات وما شابه داخله، كما رأينا لاحقًا».

واستنادًا إلى استكشافه الشخصي لمخابئ مهجورة تابعة ل"حزب الله" بعد حرب عام 2006، وصف بلانفورد منشآت بسيطة نسبيًا، لكنها كانت مجهّزة بشكل لافت. وكانت الأنفاق مدعّمة بعوارض وصفائح فولاذية، فيما صُممت مداخلها لتجنّب رصدها من قبل الطائرات والطائرات المسيّرة الإسرائيلية. وفي الداخل، كانت تضم أنظمة تهوية وكهرباء ومطابخ وحمامات مزوّدة بالمياه الساخنة وأماكن للنوم. وكان لبعضها مداخل منفصلة عمودية وأفقية، إضافة إلى غرف عدة تحت الأرض.

وكانت عملية إخفائها دقيقة بالقدر نفسه. فقد طُليت المداخل المعدنية باللون الأسود غير اللامع لمنع أشعة الشمس من كشفها من الجو، بينما طُليت الجدران الداخلية بالأبيض اللامع لعكس الإضاءة الاصطناعية. وبحسب التقارير، كانت الصخور المستخرجة تُنقل في أكياس وتُنثر تحت الأشجار لإخفاء آثار الحفر. وبالنسبة إلى بلانفورد، كان الإنجاز الحقيقي يكمن في السرّية التي أحاطت بعملية البناء.

ومن الأمثلة اللافتة على ذلك شبكة كبيرة من المخابئ قرب اللبونة، بالقرب من الناقورة وعلى بُعد نحو 100 متر من الحدود. وكانت تضم منشآت طبية تحت الأرض ومهاجع ومطابخ ومستودعات للأسلحة، وبحسب التقارير، بقيت من دون أن تُكتشف رغم قربها من المواقع الإسرائيلية ومواقع قوات اليونيفيل.

ما بعد عام 2006

بعد حرب عام 2006، أصبحت البنية التحتية لـ"حزب الله" تحت الأرض أكثر تطورًا بشكل ملحوظ. وأشار بلانفورد إلى المشاهد التي نشرها الحزب علنًا لمجمّع «عماد 4»، والتي أظهرت شبكات واسعة قادرة على استيعاب شاحنات تحمل صواريخ ومعدات عسكرية أخرى.

«لم تعد مجرد ممرات بسيطة تمتد عبر جبل. بل أصبحت شبكات ضخمة ومعقّدة من الأنفاق والمخابئ، ولم تكن محصورة في جنوب لبنان، بل بُنيت أيضًا في سهل البقاع ومناطق شمال نهر الليطاني».

كما شكّك بلانفورد في التقارير التي تتحدث عن وجود شبكات أنفاق واسعة ل"حزب الله" في مناطق ذات غالبية مسيحية أو درزية، معتبرًا أن الحزب كان يبني بنيته التحتية تحت الأرض عمومًا في المناطق التي يتمتع فيها بحضور قوي ويمكنه الحفاظ على السرّية. وقال: «لم يكونوا ليدخلوا، على سبيل المثال، إلى المناطق الدرزية في الجنوب أو المناطق المسيحية في الجنوب». وأشار بدلًا من ذلك إلى المناطق ذات الغالبية الشيعية في جنوب لبنان وشمال البقاع، بما في ذلك محيط بعلبك، حيث كان "حزب الله" يتمتع بسيطرة أكبر ويمكنه العمل بأمان أكبر.

وفي ما يتعلق بالتقارير عن إعادة اكتشاف شبكة أنفاق في جبيل وكسروان، قال مصدر أمني لـ«The Beiruter» إنه لا توجد حاليًا معلومات يمكن تأكيدها، مضيفًا أن أي تقارير حول هذا الموضوع لا تزال خاضعة للتحقق.

الحجم الكامل للشبكة

لا يزال الحجم الكامل لشبكة أنفاق "حزب الله" وكلفتها غير معروفين، لكن من الواضح أن هذه البنية التحتية واسعة النطاق، و«لا يمكن أن تكون رخيصة»، بحسب بلانفورد. وقال: «هذه أعمال هندسية ضخمة، ضخمة جدًا، في مختلف أنحاء البلاد».

ويعكس هذا الاستثمار القيمة الاستراتيجية للبنية التحتية تحت الأرض، إذ قال: «من الواضح أن هذه الأنفاق كانت ذات فائدة كبيرة ل"حزب الله"، وكانت تستحق الاستثمار فيها من وجهة نظره ومن وجهة النظر الإيرانية».

وعندما سُئل عمّا إذا كانت السلطات اللبنانية على علم بالحجم الكامل للشبكة، أبدى بلانفورد شكوكه. وقال: «ربما كانوا على علم بأن شيئًا ما كان يجري، لكنني لا أعتقد أنهم كانوا قادرين على تحديد ما كان يجري بالضبط وأين كان يجري تحديدًا».

ومع اكتشاف الأنفاق الآن، تتوزع السيطرة عليها بين ثلاثة أطراف: إسرائيل و"حزب الله" والجيش اللبناني. تسيطر إسرائيل على الأنفاق في المناطق التي تحتلها وتعمل على تدميرها؛ فيما يحتفظ "حزب الله" بالسيطرة على بعض الشبكات، بينما دخل الجيش اللبناني إلى شبكات أخرى وسيطر عليها. وخلص بلانفورد إلى القول: «انتشر الجيش اللبناني داخل بعض هذه الأنفاق، واستولى عليها ووضعها تحت سيطرته».

التسوية

في حين يشكّك بلانفورد في ما إذا كانت السلطات اللبنانية قادرة على معرفة الحجم الكامل لشبكة "حزب الله" تحت الأرض ومواقعها الدقيقة، يتبنّى الصحافي طوني بولس رؤية أوسع، معتبرًا أن البنية التحتية العسكرية للحزب أتاحها النظام السياسي والمؤسساتي في لبنان.

«هذه القوة لم تنشأ من فراغ، بل بُنيت على تسوية سياسية مع المنظومة التي حكمت لبنان منذ عام 1990. فقد أعفى النظام السوري "حزب الله" من متطلبات اتفاق الطائف المتعلقة بحلّ الميليشيات، وأعاد بدلًا من ذلك تعريفه على أنه حركة "مقاومة". وقد وفّرت شخصيات بارزة الغطاء السياسي له في مراحل مختلفة، من بينها رفيق الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط، قبل أن ينضم إليهم التيار الوطني الحر عقب تفاهمه مع "حزب الله" عام 2006».

وبحسب بولس، منحت الحكومات المتعاقبة شرعية لسلاح "حزب الله" من خلال البيانات الوزارية والصيغ السياسية، فيما سمحت له السلطة الحاكمة بالتأثير في القرارات السيادية والاستراتيجية، مقابل توفير الحماية السياسية لها وحماية منظومة المحاصصة والفساد التابعة لها.

وأشار إلى تقارير تفيد بأن "حزب الله" استخدم منشآت ومعدات ومشاريع مملوكة للدولة لبناء أجزاء من بنيته التحتية، ولا سيما من خلال وزارة الأشغال العامة والنقل. ومن بين المسائل التي تتطلب التحقيق، أشار إلى ضرورة التحقق مما إذا كانت أجزاء من شبكة الأنفاق قد بُنيت تحت غطاء مشاريع عامة في جنوب لبنان، تُقدّر كلفتها الإجمالية بما بين 5 و6 مليارات دولار.

كما سلّط بولس الضوء على استخدام الأراضي والمرافق العامة وشبكات الاتصالات والطاقة، بما في ذلك احتمال تحويل الكهرباء إلى منشآت تحت الأرض من شبكات مرتبطة بمناطق جزين والليطاني والأولي.

«لا يمكن أن تكون شبكة بهذا الحجم قد بُنيت من دون علم السلطات الرسمية والأجهزة الأمنية».

ورأى أن المشروع تجاوز بكثير مجرد الأنفاق الدفاعية، ليشمل بنية تحتية عسكرية متكاملة تحت الأرض، تضم ممرات للتنقل وإعادة الإمداد، ومستودعات للأسلحة والصواريخ، وغرفًا للقيادة والاتصالات، ومنشآت للطاقة والخدمات اللوجستية.

«كان الهدف إنشاء جيش موازٍ للدولة، يمتلك بنية تحتية مستقلة خاصة به، وقادرًا على التحرك وخوض الحروب واتخاذ القرارات الاستراتيجية بعيدًا عن مؤسسات الجمهورية».

ووصف بولس ترسانة "حزب الله" بأنها من بين أخطر الترسانات التي يمتلكها طرف من غير الدول، ما يجعله تهديدًا إقليميًا. كما توسعت بنيته التحتية العسكرية شمال الليطاني تحت أنظار الجيش اللبناني وأجهزة الاستخبارات والأمن، وجنوب النهر في منطقة تنتشر فيها قوات اليونيفيل بموجب تفويضات دولية لمراقبة الوضع والمساعدة في منع وجود أسلحة غير شرعية.

ويرى أن هذا الوضع يثير تساؤلات جدية بشأن أداء اليونيفيل: ما إذا كانت مقيدة وغير فعّالة، أو ما إذا كانت بعض مكوناتها قد غضّت الطرف عن أنشطة "حزب الله". وبالنسبة إلى بولس، تقع المسؤولية النهائية على عاتق الطبقة السياسية اللبنانية التي وفّرت ل"حزب الله" الغطاء لبناء دولة عسكرية داخل الدولة، مقابل الحماية السياسية.

«ما تم كشفه ليس مجرد شبكة من الأنفاق، بل دليل على اختطاف الدولة واستخدام أموال اللبنانيين ومؤسساتهم وأراضيهم لبناء مشروع عسكري خارج سلطة الدولة، وتحويل لبنان إلى قاعدة عسكرية».

اليونيفيل... ما الذي رصدته وما الذي أبلغت عنه؟

قالت المتحدثة باسم اليونيفيل كانديس أرديل لـ«The Beiruter» إن تفويض القوة يتمثل في «مراقبة انتهاكات القرار 1701 والإبلاغ عنها»، مضيفة أنها تحيل «المواقع أو الأنشطة المثيرة للقلق إلى السلطات اللبنانية ومجلس الأمن».

«في حين أن قوات حفظ السلام كانت قد رصدت وأبلغت عن بنى تحتية يُشتبه في أنها أنفاق قبل تصاعد النزاع في أواخر عام 2023، فإننا لا نستطيع الدخول إلى الممتلكات الخاصة من دون تصريح، وهو ما لم نحصل عليه. ولا تملك اليونيفيل تفويضًا لإجراء تحقيقات بالقوة».

وقالت أرديل أيضًا إن تصاعد العنف في جنوب لبنان جعل عمل اليونيفيل في مجال المراقبة والإبلاغ أكثر صعوبة. ومع ذلك، ومنذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، حدّدت قوات حفظ السلام التابعة لها أكثر من 400 مخبأ للأسلحة في مواقع مختلفة في أنحاء جنوب لبنان، وأبلغت الجيش اللبناني عنها. وقالت المتحدثة باسم اليونيفيل إن القوة دعمت الجيش في التعامل مع الأسلحة غير المصرح بها، وإن قوات حفظ السلام التابعة لها لا تزال موجودة على الأرض لدعم تنفيذ القرار 1701، الذي تعتبره «المسار الوحيد القابل للتطبيق نحو عودة الاستقرار للمدنيين على جانبي الخط الأزرق».

شبكات... في مواقع متعددة

قال مصدر أمني لـ«The Beiruter» إنه لا يمكن تأكيد أو نفي التقارير المتعلقة بموقع أنفاق محددة أو طبيعتها، مشددًا على أن أي معلومات من هذا النوع تبقى خاضعة للتحقق والتقييم من قبل السلطات المعنية.

وأوضح المصدر الأمني أنه بمجرد اكتشاف الأنفاق، تتولى السلطات العسكرية والأمنية المختصة التعامل معها وفقًا للإجراءات المعتمدة.

وادعى الجيش الإسرائيلي أنه كشف شبكات أنفاق تابعة ل"حزب الله" في أنحاء جنوب لبنان، بما في ذلك في مرتفعات الشقيف، ومجدل زون، والخيام، والقنطرة، ورب ثلاثين، وصربين. وبحسب التقارير، ضمت هذه الشبكات مراكز قيادة، ومخابئ للأسلحة، ومنشآت للطائرات المسيّرة، وأماكن للإقامة. وفي آب/أغسطس 2025، أفادت اليونيفيل والجيش اللبناني أيضًا باكتشاف أنفاق محصّنة قرب طير حرفا وزبقين والناقورة، تحتوي على ملاجئ ومدفعية وقاذفات صواريخ وصواريخ وألغام مضادة للدبابات ومتفجرات.

وسيتطلب تفكيك هذه المتاهة العسكرية أكثر من مجرد مقررات ومواقف سياسية، لكن لبنان اتخذ الآن خطوات كان من غير الممكن تصوّرها في السابق، بدءًا من إسقاط تسمية "حزب الله" «المقاومة» في البيان الوزاري في شباط/فبراير 2025، وصولًا إلى تكليف الجيش اللبناني في آب/أغسطس بوضع خطة لحصر جميع الأسلحة بيد الدولة، وتبنّي أهداف المقترح الأميركي لنزع السلاح. الإرادة لتفكيك هذه البنية التحتية العسكرية الموازية باتت موجودة؛ وما تبقى هو القدرة على التحرك، وقبل كل شيء، المعرفة الكاملة بخريطة ما يقع تحت لبنان.