الدكتور سايد حرقص

نتنياهو يخوض الانتخابات بالدعاية والنار... فهل يساعده قصر نظر "حزب الله"؟

6 دقائق للقراءة

في قصة «الشيطان» لجبران خليل جبران، يعثر الخوري سمعان ليلًا على الشيطان جريحًا، فيتهيأ للقضاء عليه. لكن الشيطان يقلب المعادلة: وجوده ليس منفصلًا عن وجود خصمه، بل إن كليهما يحتاج إلى الآخر بطريقة ما.

فحين يغيب الشر، يفقد الواعظ جزءًا من وظيفته، وحين يغيب الواعظ، يفقد الشر أحد أبرز مبررات حضوره.

ففي قصة جبران، هناك مصالح واضحة بين الأضداد، وخوف مشترك من أن يؤدي إلغاء أحدهما إلى إلغاء الآخر. أما في لبنان، مع "حزب الله"، فتختلف القصة جذريًا، لأن قصر نظر "حزب الله" وادعاءه المعرفة هما اللذان يخدمان إسرائيل. ومنذ عام 2006، وعند كل منعطف، يردد قادة "حزب الله"، على طريقة السيد حسن نصرالله: «لو كنت أعلم».

نتنياهو يعرف أن الانتخابات العامة المقررة في تشرين الأول المقبل لن تكون سهلة، وأن المعركة التي يخوضها تتجاوز المنافسة التقليدية على السلطة، لتطال جوهر الصورة التي عمل طويلاً على ترسيخها في وعي الإسرائيليين: صورة «حامي إسرائيل» والقائد القادر وحده على ضمان أمنها وبقائها. لذلك، يسعى إلى تحويل الانتخابات إلى استفتاء على الأمن والوجود، لا على الأداء السياسي أو نتائج حكومته. يريد إقناع الإسرائيليين بأن إسرائيل محاصرة بالأعداء، وأن الخطر يحيط بها من كل جانب، وأن الدولة اليهودية تواجه تهديداً وجودياً دائماً، وأن أي تراجع عن قيادته قد يعني تعريض أمن إسرائيل ومستقبلها للخطر.

بهذا المنطق، لا يقدم نتنياهو نفسه مجرد مرشح يريد الاحتفاظ بالسلطة، بل يحاول تقديم نفسه بوصفه «خط الدفاع الأخير» عن كيان إسرائيل. فكلما ارتفع منسوب الخوف والتهديد في وعي الناخب الإسرائيلي، ازدادت حاجته إلى القائد الذي يقول إنه يعرف كيف يواجه الأعداء، ويخوض الحروب، ويحمي الدولة. وهذه هي المعادلة السياسية التي يراهن عليها نتنياهو: تحويل الخوف إلى أصوات، والتهديد إلى شرعية، والأمن إلى أداة لإعادة إنتاج بقائه في السلطة

الدليل جاء في لافتة انتخابية نشرها نتنياهو نفسه ضمن حملة الترويج للانتخابات التمهيدية في حزب الليكود، جمعت صور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، وعمدة نيويورك زهران ممداني، والأمين العام ل"حزب الله" نعيم قاسم، تحت عبارة: «هم يريدون أن يخسر نتنياهو... لا تدعوهم ينتصرون».

المفارقة هنا أن نتنياهو لم يحتج إلى الحديث عن منافسيه. لقد نقل المعركة إلى الخارج، وحوّل الانتخابات التمهيدية إلى ما يشبه استفتاءً على صورة «نتنياهو في مواجهة أعداء إسرائيل».

هذه هي الوصفة الانتخابية الذكية والخبيثة في آنٍ معًا: عندما تكون لديك مشاكل داخلية، ابحث عن عدو خارجي. وعندما تصبح نتائج الحرب موضع سؤال، حوّل الحرب نفسها إلى دليل على ضرورة استمرارك في السلطة.

لكن أين "حزب الله" من هذه المعادلة؟

السؤال ليس ما إذا كان "حزب الله" يريد فوز نتنياهو. لا يوجد ما يبرر هذا الاستنتاج، ولا حاجة أصلًا إلى افتراض وجود تنسيق أو مؤامرة حتى نفهم المفارقة. السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمكن أن تؤدي السياسات المتهورة والغير محسوبة المخاطر ل"حزب الله"، إلى خدمة نتنياهو سياسيًا؟

الجواب قد يكون نعم، من الناحية السياسية البحتة.

فنتنياهو يحتاج إلى عدو واضح بقدر ما يحتاج إلى خطاب أمني واضح. وكلما ارتفع منسوب التهديد على الحدود، وكلما عاد شبح الصواريخ إلى المشهد، استطاع نتنياهو أن يقول للناخب الاسرائيلي: «انظروا، الخطر ما زال قائمًا». وهكذا يتحول المستحيل إلى أمر قابل للتحقيق، ويصبح من الأسهل إعادة إنتاج صورة البطل الذي لا يمكن الاستغناء عنه في زمن الحرب.

قد يكون "حزب الله"، في خطابه السياسي والإعلامي، يريد إضعاف نتنياهو وإسقاط مشروعه، وقد يظن أن الضغط العسكري على إسرائيل اليوم يحرج حكومتها ويستنزفها. لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها، بل بالنتائج التي تنتج عن الأفعال.

فنتنياهو يخوض معركته تحت شعار «أعداء إسرائيل يريدون خسارتي». وفي هذه المعادلة، قد يتحول كل تهديد عسكري جديد إلى ورقة انتخابية، وكل مواجهة إلى مادة دعائية، وكل تصعيد إلى صورة إضافية في ألبوم حملته الانتخابية، يعزز من خلالها روايته بأنه القائد القادر على حماية إسرائيل في مواجهة أعدائها.

وإذا كان نتنياهو يحتاج إلى إقناع الناخب الإسرائيلي بأن المعركة ليست بينه وبين منافسيه السياسيين، بل بينه وبين من يريدون إسقاط وتدمير إسرائيل، فإن ظهور نعيم قاسم في اللافتة الانتخابية لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابراً أو مجرد صورة دعائية. إنه جزء من رواية سياسية يجري بناؤها بعناية، عنوانها أن نتنياهو لا يخوض معركة على السلطة، بل يقف في الخط الأمامي لمواجهة «الأعداء» الذين يتربصون بإسرائيل.

وهكذا يريد نتنياهو أن يقول لجمهوره، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: «أنا في مواجهة هؤلاء جميعاً؛ فإذا كنتم تريدون حماية إسرائيل، فأنتم تحتاجون إليّ». وكلما ارتفع منسوب التهديد، ازدادت قدرته على تقديم نفسه بوصفه القائد الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وكلما اتسعت دائرة الخصوم، ضاقت المسافة بين أمن إسرائيل وبقائه السياسي في روايته الانتخابية.

وهنا تحديداً نصل إلى المفارقة التي تذكّر بقصة جبران: عندما يتحول «الشيطان» الذي يُخيف الناس إلى عنصر في اللعبة التي تمنح من يحاربونه مبرر بقائهم في السلطة.

نتنياهو يعرف جيدًا أن الأمن هو أقوى أوراقه الانتخابية. لذلك لم يضع على اللافتة صور منافسيه بل وضع صور شخصيات يريد من جمهوره أن يراها بوصفها جزءًا من جبهة واحدة ضد اسرائيل.

وهكذا تصبح الانتخابات معركة مصيرية لكيان وشعب أكثر من كونها ترتيب مرشحين. إنها معركة على سؤال واحد: من يستطيع أن يقنع القاعدة الحزبية والشعب الاسرائيلي عامة بأنه الأقدر على حماية إسرائيل؟

وفي هذه المعركة، قد تكون صواريخ "حزب الله" أكثر فائدة من الملصقات، وتهديدات الشيخ نعيم قاسم أكثر تأثيرًا من البرامج الانتخابية.

إن قصر نظر "حزب الله" قد يمنح نتنياهو ذريعة للظهور بمظهر «رجل الحرب والأمن»، وهذا قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا. وإذا كان الهدف هو الضغط على إسرائيل، فإن السؤال يصبح: من يدفع الثمن، ومن يحصد المكاسب السياسية؟

ربما لا يحتاج نتنياهو إلى أن يطلب من نعيم قاسم مساعدته. يكفي أن يفعل قاسم ما يستطيع نتنياهو استخدامه في الداخل الإسرائيلي.

وهنا، حين يصبح وجود العدو جزءًا من شرعية السياسي، قد يجد السياسي نفسه بحاجة إلى استمرار عدوه، لا إلى زواله.

لكن السؤال الأخطر هو: هل تمنح أفعال "حزب الله" نتنياهو ما يحتاجه كي يقول للشعب الاسرائيلي في تشرين الأول: «لا تدعوهم يفوزون»؟

في السياسة، أحيانًا تكون النتيجة أهم من النية.