لكل ملف في لبنان بداية هادئة، قبل أن يتحوّل إلى معركة تُستخدم فيها كل الأسلحة المتاحة: السياسة، والإعلام، والأمن، وأحيانًا القضاء. كازينو لبنان، الذي يمتلك الحق الحصري قانونيًا للعبة القمار في لبنان، عاش هذا المسار بالتفصيل. لكن القصة هذه المرة لا تتعلق بطاولات القمار، بل بحرب أخرى، غير مرئية، دارت رحاها على الإنترنت، وكشفت كيف يمكن لسوق سوداء أن تجنّد سياسيين وإعلاميين وضباطًا، وربما قضاة، للدفاع عن حصتها غير الشرعية في السوق.
قبل الدخول في تفاصيل تلك الحرب، لا بد من العودة إلى الأساس: كيف نظّمت الدولة اللبنانية علاقتها بالكازينو، ولماذا بقيت هذه العلاقة، على مرّ العقود، علاقة "بالقطعة"؟
تاريخ كازينو لبنان من حقبتين:
عرف كازينو لبنان حقبتين تشغيليتين منذ تأسيسه: الأولى امتدت من عام 1956 حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، والثانية بدأت عام 1996 ولا تزال مستمرة حتى اليوم، بعدما جرى تمديدها لتنتهي في أيار 2028. ففي عهد الرئيس الياس الهراوي، مُنح الكازينو امتيازًا حصريًا لثلاثين عامًا، يُحصر بموجبه حق تشغيل ألعاب القمار في لبنان بيد واحدة. العقد وُقّع بين وزارتي السياحة والمالية من جهة، وإدارة الكازينو من جهة ثانية، وقضى بأن تتقاضى الدولة حصّتها من مجمل المداخيل، باستثناء بند واحد ظلّ لسنوات خارج الحساب: عائدات المكنات.
النسب المقطوعة... والحصة الضائعة
حتى عام 2000، كانت الدولة تتقاضى عن المكنات مبلغًا "مقطوعًا" لا يتجاوز مليون ليرة لبنانية، بصرف النظر عن حجم العائدات الفعلية. عندها فقط، أثارت وزارة المالية الخلاف، مطالِبة بنسبة مئوية حقيقية بدل المبلغ المقطوع. أما توزيع الحصص المتفق عليه أساسًا في عقد 1996 على باقي المداخيل، فكان متدرجًا على ثلاث مراحل عشرية:
• السنوات العشر الأولى: 30% لمصلحة الدولة.
• السنوات العشر الثانية: 40% لمصلحة الدولة.
• السنوات العشر الثالثة: 50% لمصلحة الدولة.
استغرق حسم الخلاف على المكنات سبع سنوات كاملة. ففي عام 2007، أُجبر الكازينو أخيرًا على دفع تعويض بقيمة 55 مليون دولار أميركي، وانتقلت الدولة من نظام "المقطوعية" إلى نظام الحصّة النسبية على عائدات المكنات أيضًا. لكنّ العام نفسه الذي شهد إقفال هذا الملف فتح ملفًا آخر أكبر بكثير: الإنترنت.
2007: نافذة فُتحت وباب لم يُفتح
مع تسوية ملف المكنات، ومع تسارع العولمة الرقمية، مُنح الكازينو في العام نفسه امتيازًا إضافيًا يتعلق بألعاب القمار عبر الإنترنت (Online)، عبر تعديل رسمي أُدخل على العقد الأساسي مع وزارة المالية. الحكومة اللبنانية، يومها، لم تعترض، فدخل التعديل حيّز التنفيذ بشكل قانوني وكامل، والمستندات التي توثّق ذلك موجودة ومتوفرة. من الناحية القانونية البحتة، بات كازينو لبنان، ومنذ 2007، الجهة الوحيدة المخوّلة قانونًا بتشغيل القمار الإلكتروني في لبنان.
المفارقة الكبرى في هذا الملف لا تكمن في الامتياز نفسه، بل في التوقيت. فبينما كانت الدولة لا تزال منشغلة بتسوية نزاع المكنات، كانت مواقع القمار الإلكتروني تعمل في لبنان فعليًا منذ عام 2005، أي قبل أكثر من سنتين من أي تنظيم رسمي للقطاع. خلال تلك الفترة، كانت الأموال تتسرّب مباشرة من جيوب اللبنانيين إلى جيوب أصحاب هذه المواقع، من دون أن يصل "قرش واحد" إلى خزينة الدولة. ومع دخول امتياز 2007 حيّز التنفيذ، تحوّلت هذه المواقع تلقائيًا، من الناحية القانونية، إلى نشاط غير شرعي يعمل في السوق السوداء.
ثلاثة عشر عامًا من الغياب الرسمي
لو توقّفت القصة عند هذا الحد، لكانت رواية عادية عن تنظيم قطاع. لكنّ ما حصل بعد 2007 هو الأخطر: بقيت الدولة اللبنانية، منذ 2008 حتى تاريخه، عاجزة أو غير راغبة في إقفال هذه السوق السوداء، رغم أنها ظلّت تراسل كازينو لبنان مرارًا وتكرارًا للمطالبة بإطلاق مشروع الأونلاين رسميًا. والسبب بسيط: خمسة عشر عامًا من الغياب تعني مئات ملايين الدولارات ذهبت، ولا تزال تذهب، إلى سوق لا تستفيد الخزينة العامة منها بشيء.
2019: دراسة رولان خوري ورقم الـ33%
في عام 2019، تقدّم رولان خوري بدراسة إلى وزارة المالية، خلصت إلى أن الكلفة التشغيلية لإطلاق منصة أونلاين رسمية تبلغ 33% من الإيرادات، تُوزَّع بين المشغّل (Operator) ومزوّد الخدمة (Provider). هذا الرقم سيصبح لاحقًا معيارًا للمقارنة، حين تدخل الدولة أخيرًا مرحلة التنفيذ الفعلي.
2020: المناقصة التي غيّرت المعادلة
في عام 2020، وبعد سنوات من الضغط الرسمي، استجاب كازينو لبنان أخيرًا، وأطلق مناقصة رسمية شاركت فيها 18 شركة عالمية، بعد أن حصلت جميعها على "Clearance" من مكتب مقاطعة إسرائيل، بصفته شرطًا مسبقًا للمشاركة. لجنة خبراء بريطانيين أشرفت على تقييم العروض وفق معيار الجودة مقابل السعر (Quality/Price)، ورست المناقصة على شركة OSS.
العرض الذي تقدّمت به OSS كان لافتًا: كلفة تشغيلية إجمالية لا تتجاوز 20%، أقل من الدراسة الأولية للكازينو التي، وفق حساباتها، قد تصل إلى 33%، تتوزّع بين 5% لمصلحة الشركة نفسها و15% لمزوّد الخدمة. بمعنى آخر، وفّر هذا العرض للدولة والقطاع هامشًا إضافيًا يقارب 13%، كانت ستذهب سابقًا إلى جهات تشغيلية أخرى.
مع انطلاق هذا المشروع، وُضع أول سدّ فعلي بوجه سوق سوداء كانت تحصّل، شهريًا، ما يقارب 20 مليون دولار أميركي، من دون أن تحصل الدولة على أي حصة من هذا المبلغ. للمرة الأولى منذ 2005، كان هناك مشروع رسمي، مرخّص، ومنافس فعليًا لهذه السوق.
وهنا بدأت الحرب الحقيقية
لم تكن السوق السوداء لتقف مكتوفة الأيدي أمام مشروع يهدد عشرين مليون دولار من إيراداتها الشهرية. فمنذ تلك اللحظة، بدأت هذه السوق، بمساعدة سياسيين وإعلاميين وضباط أمن، وربما بعض القضاة، بتوظيف مالها ونفوذها لضرب مشروع "Betarabia" قبل أن يرى النور أساسًا. الأداة التي استُخدمت لم تكن قانونية ولا مالية، بل أخطر من ذلك بكثير: اتهام المناقصة والمشروع الفائز بها بالعمالة لإسرائيل.
كيف اخترعوا هذه التهمة؟ من روّج لها ولماذا؟ وكيف تلقّى مروّجوها صفعتهم، ولو بعد حين؟ هذا ما سيكشفه الجزء الثاني من هذه السلسلة.