ريتا عازار

الأسترالي الشاب تشارلز داشوود

راقص باليه يوازن بين الرصانة والحرية

6 دقائق للقراءة

يتمتع تشارلز داشوود (Charles Dashwood) بثقة هادئة نادرة في عالم الباليه، تظهر في حديثه عن عمله، وفي اتزانه في مواجهة التحديات، وفي الصعود المتدرج الذي نقله خلال سنوات قليلة من خريج واعد إلى راقص أول في فرقة "باليه غرب أستراليا". وفي سنّ لا يزال فيه كثيرون من الراقصين يبحثون عن مكانتهم داخل الفرق، أصبح داشوود واحدًا من أبرز فناني الأداء الشباب في أستراليا، ويحظى بالتقدير بفضل تقنيته الكلاسيكية الراقية، وقوته البدنية، وعمقه العاطفي المتنامي.

تمثل الترقية الأخيرة لتشارلز داشوود إلى رتبة راقص أول محطة مهمة في مسيرة شهدت نموًا سريعًا وملحوظًا. ومع ذلك، لا يحمل الراقص، المعروف بين أصدقائه وزملائه باسم تشارلي، أي شعور بالغرور. فهو يتحدث عن الباليه بمزيج من الطموح والوعي، مؤمنًا بأن التميز الفني لا يعتمد على الانضباط وحده، بل يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على حس إنساني يتجاوز حدود الاستوديو.

وُلد داشوود في توومبا بولاية كوينزلاند، وتعرّف على الباليه في السادسة من عمره. لم يكن الرقص عالمًا بعيدًا عنه، فوالدته، أندي داشوود، معلمة باليه مرموقة، كان لها أثر عميق في سنواته الأولى داخل الاستوديو. وبينما يجد عدد كبير من الراقصين مصدر إلهامهم في سلسلة من المعلّمين، كان المنزل بالنسبة إلى تشارلي مدرسته الأولى، حيث تعلّم الأسس التقنية وقيم الصبر والمثابرة الضرورية لحياة الفنان المحترف.

عندما بلغ العاشرة، انتقلت العائلة إلى ملبورن، ما أتاح له فرصًا تدريبية أكثر تقدمًا. وسرعان ما قادته موهبته إلى "مدرسة الباليه الأسترالية"، المؤسسة الأبرز في البلاد لتدريب الراقصين الكلاسيكيين. وقد وضع التحاقه بها عام 2020 تشارلي في بيئة تنافسية تجمع نخبة المواهب الشابة.

كأي فنان طموح، واجه داشوود تحديات تجاوزت الحاجة إلى الموهبة وحدها. خلال فترة تدريبه، اكتشف وجود تحدّ بدني كان يمكن أن يؤثر في تطوّره، إذ شكّل صغر حجم ثنية أصابعه عقبة تقنية، خصوصًا في ما يتعلق بالقوّة والتحكم. لكنه لم ينظر إلى ذلك باعتباره عائقًا نهائيًا، بل تعامل معه بتحليل وصبر، محوِّلا نقطة الضعف إلى فرصة لفهم جسده بصورة أعمق.


نحو النجومية

بعد تخرّجه من "مدرسة الباليه الأسترالية"، انضم داشوود إلى "فرقة باليه غرب أستراليا" عام 2023 بصفة فنان شاب. وتقدّم سريعًا بصورة لافتة. ففي غضون عام واحد، رُقّي إلى راقص في "الكور دي باليه"، ثم وصل عام 2026 إلى رتبة راقص أول، في إنجاز يعكس موهبته التقنية والثقة التي منحته إياها قيادة الفرقة.

وقد رافق صعوده المهني رصيد متزايد من الأدوار التي كشفت عن تنوّعه الفني وقدرته على الجمع بين التقنية والحضور المسرحي. فقد قدم داشوود شخصيات بارزة في أعمال مثل "الجميلة النائمة" و "سندريلا" و "دراكولا" و "دون كيشوت" و "روميو وجولييت"، مؤكدًا قدرته على الانتقال بين الأناقة الكلاسيكية والكثافة الدرامية.

إلى جانب هذه الأدوار الكلاسيكية، انخرط داشوود في عالم الرقص المعاصر بحماس مماثل. فقد شارك في عرض "كونشيرتو أنيفرساري" للكوريغراف لوكاس جيرفيز، وأدى دورًا رئيسيًا في عمل من تصميم إحسان رستم خلال عرض "باليه آت ذا كواري". وقد منحته هذه التجارب مساحة لاكتشاف جانب آخر من فنه، حيث تتجاور الحرية والموسيقية والصدق العاطفي مع الدقة التقنية.

لم يكن الرقص المعاصر خيارًا طبيعيًا بالنسبة إليه في البداية، لكنه وجد فيه، مع مرور الوقت، فرصة لتوسيع أدواته التعبيرية. وقد ساعده تعاونه مع إحسان رستم على تجاوز السعي الدائم إلى الكمال التقني، واكتشاف قدر أكبر من العفوية والانفتاح العاطفي. وأصبح ينظر إلى الأسلوبَين الكلاسيكي والمعاصر بوصفهما طريقتَين متكاملتَين للتواصل عبر الحركة، إذ يمنح كل منهما الآخر بعدًا جديدًا؛ فصرامة الباليه الكلاسيكي تثري أعماله المعاصرة، بينما تضيف التجربة المعاصرة مزيدًا من الحرية إلى أدائه الكلاسيكي.

ويرتبط تطوّره الفني أيضًا بفلسفة خاصة تجاه الإعداد البدني. فخارج استوديو الباليه، يتدرب داشوود كرياضي ثلاثي الأنشطة، جامعًا بين ركوب الدراجات والسباحة والجري إلى جانب برنامجه التدريبي المكثف. ويرى أن هذا النوع من التدريب لا يقتصر على تعزيز اللياقة، بل يمنحه قدرة أكبر على التحمل والتركيز والتوازن الذهني، وهي عناصر ضرورية في مهنة تتطلب جهدًا جسديًا ونفسيًا مستمرًا.

يختصر داشوود نظرته إلى الرقص في عبارة أصبحت مرتبطة به: "إنه مجرد باليه!". قد تبدو هذه الكلمات للوهلة الأولى غريبة من فنان كرّس حياته لهذا الفن، لكنها لا تعني التقليل من شأن الباليه، بل تذكيره بألا يتحوّل السعي إلى الكمال إلى عبء دائم. فهو يؤمن بأن الانضباط والمعايير العالية ضروريان للتميز، لكن الفنان يحتاج أيضًا إلى التعاطف مع نفسه، وإلى القدرة على الاستمتاع بالرحلة، لا التركيز على النتيجة وحدها.


جيزيل

هذه العقلية أكسبته احترام زملائه في "فرقة باليه غرب أستراليا"، الذين يقدّرون احترافيته ونضجه رغم صغر سنه. فهو يجمع بين التحضير الدقيق والانفتاح على التعلم، وهما سمتان ساعدتاه على تسريع نموه الفني.

ومن بين عروض الباليه الأقرب إلى قلبه "جيزيل"، العمل الذي ارتبط به منذ طفولته. ويجذبه خصوصًا دور "ألبرشت" ورحلته من الخداع إلى الندم، إذ يرى فيه شخصية ذات تعقيد نفسي يتناسب مع تطوره المستمر كفنان درامي. ولا يزال أداء هذا الدور أحد طموحاته الفنية الكبرى مع اتساع خبرته وقدرته التعبيرية.

بعيدًا عن المسرح، بنى داشوود حياة مستقرة في بيرث مع شريكته إنديانا سكوت. وتعود علاقتهما إلى سنوات الدراسة في "مدرسة الباليه الأسترالية"، ما يمنحهما رابطًا ثابتًا وسط التحوّلات والتحديات التي ترافق مسيرة الرقص الاحترافية. ففي مهنة تقوم غالبًا على التغيير المستمر، تمثّل هذه الشراكة مصدر دعم واستقرار.

ويبدو هذا الطموح قابلا للتحقق، فمزيجه من التقنية الكلاسيكية الراقية، والقوة البدنية، والتناغم مع الشركاء، والقدرة الدرامية المتنامية، كل ذلك جعله يبرز بين أبناء جيله. وإلى جانب هذه المهارات، يمنحه فضوله الفكري ميزة إضافية، فهو يتعامل مع الباليه بعقلية طالب دائم التعلم، سواء عبر دراسة حركة الجسد، أو صقل التفاصيل التقنية، أو استكشاف أساليب تصميم رقصات جديدة.

ولا يزال داشوود، في بداية عشرينياته، عند أولى مراحل مسيرته الفنية. لكن إنجازاته حتى الآن تشير إلى مسار فنان قادر على قيادة عروض كبرى في أستراليا وخارجها. والأهم أنها تكشف عن راقص يدرك أن البراعة التقنية وحدها لا تكفي، فالفنانون العظماء يجمعون بين الإتقان والخيال، والانضباط والانفتاح، والثقة والتواضع. يجسّد تشارلز داشوود هذا التوازن النادر. فرحلته من عائلة محبّة للباليه في كوينزلاند إلى صدارة "فرقة باليه غرب أستراليا" لا تعكس موهبة استثنائية فحسب، بل تعكس أيضًا مثابرة واعية ونضجًا مبكرًا. وبينما يواصل الجمهور متابعة تطوره، فهم لا يشاهدون مجرّد صعود راقص موهوب، بل بزوغ فنان يحمل من الذكاء والالتزام ما قد يسهم في تشكيل مستقبل الباليه الأسترالي، وربما العالمي، لسنوات مقبلة.