دراسة تسلّط الضوء على الفوائد والمخاطر

الاقتصاد سلاح استراتيجي في الصراعات

5 دقائق للقراءة

مع ترقّب ما ستكشفه واشنطن اليوم الاثنين، في شأن العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة التي ستفرضها على ايران، كما وعدت، يعود موضوع استخدام الاقتصاد كسلاح استراتيجي في الصراعات الدولية الى الواجهة.

كتب جيفري فريدن، وهو أستاذ في العلاقات الدولية والشؤون العامة والعلوم السياسية في جامعة كولومبيا، مقالا موسعا، أشبه بدراسة، حول فوائد ومخاطر استخدام السياسات الاقتصادية في الصراعات بين الدول.

يقول فريدن : قد تكون فوائد السياسات الجيوسياسية كبيرة، إذ تُحقق غاية جيوسياسية دون التهديد باستخدام القوة العسكرية أو اللجوء إليها، ودون تكاليف بشرية واقتصادية باهظة للحرب.

مع ذلك، قد تكون السياسات القسرية مُكلفة للدول التي تفرضها. على الرغم من جاذبية استخدام السياسات الاقتصادية لأغراض قسرية، إلا أن الفوائد قد لا تُبرّر التكلفة في بعض الأحيان.


علاقة وثيقة

لطالما كانت السياسة الدولية والاقتصاد الدولي مترابطين ترابطًا وثيقًا. فقد تمحور عصر التجارة الاحتكارية، الذي ساد من القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر، حول التفاعل بين القوة الاقتصادية والعسكرية. في كتابه، "مقال في اختراع السفن والمراسي والبوصلة وغيرها" الصادر عام ١٦١٨، يرى المستكشف السير والتر رالي، وهو أحد منظري وممارسي المذهب التجاري الإنكليزي، أن "من يسيطر على البحر يسيطر على التجارة؛ ومن يسيطر على تجارة العالم يسيطر على ثروات العالم، وبالتالي على العالم نفسه".

اليوم، ومع بداية الألفية الجديدة، والتي كانت تشير إلى بقاء السياسة الدولية والاقتصاد الدولي منفصلين، تبين أنها خاطئة. فقد امتد التنافس المتجدد بين القوى الكبرى ليشمل علاقاتها الاقتصادية، كما يتضح من العقوبات الغربية المفروضة على روسيا والنزاعات التجارية المستمرة بين الصين والولايات المتحدة. وسلّطت جائحة كورونا الضوء على المخاوف من أن سلاسل التوريد الطويلة والمعقدة قد تُعرّض وصول الدول إلى السلع الأساسية للخطر. كما أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا إلى نشوب صراع عسكري كبير في أوروبا، وهو أمر لم يكن ليخطر على بال الكثيرين. لذا، ليس من المستغرب أن تلجأ الحكومات إلى السياسات الاقتصادية لمعالجة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تواجهها.


فوائد الإكراه

للحكومات أسباب وجيهة لاستخدام السياسات الاقتصادية لأغراض جيوسياسية. فالعقوبات والحظر والتعريفات الجمركية وغيرها من التدابير المماثلة تُمكّن الخصوم من الإكراه دون التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها. كما تُمكّن هذه التدابير من فرض تكاليف على الدول والحكومات المستهدفة، وحثّ جماعات نافذة في الخارج على الضغط على حكوماتها لتغيير مسارها، وإقناع الحلفاء بالتعاون في إجبار الخصم على تقديم تنازلات.

قد تكون جاذبية السياسات الجيواقتصادية واضحة، على الرغم من صعوبة قياسها. فالعديد من الأهداف الجيوسياسية يصعب تحديدها كميًا، بل ويصعب حتى التفكير فيها من منظور نقدي. ما قيمة الأمن القومي؟ ما قيمة عزل الخصم، وتوطيد التحالف، ودرء هجوم محتمل، وتجنّب حرب كارثية؟

قد تكون فوائد السياسات الجيواقتصادية غير ملموسة، لكن العديد من تكاليفها الاقتصادية مباشرة، وقابلة للتحليل.

تكاليف الإكراه

عادةً ما تفرض السياسات الاقتصادية القسرية تكاليف على الدولة التي تستخدمها. وتتنوع هذه التكاليف، وفيما يلي بعض الأمثلة:

تكاد السياسات الجيواقتصادية، بحكم تعريفها، تُبعد اقتصاد الدولة عن أهدافها الأكثر إنتاجية. فتقييد الواردات يحدّ من وصول الدولة إلى السلع المنتجة بكفاءة أكبر في أماكن أخرى؛ كما أن تقييد الصادرات يحدّ من وصول الدولة إلى الأسواق الخارجية المربحة. ويمكن أن تُضعف التدابير التي تُقيد حركة السلع ورؤوس الأموال الميزة النسبية للدولة وتُقلل من كفاءتها الإنتاجية. وكانت هذه، حجة الاقتصاديين المؤيدين للتجارة، بدءًا من آدم سميث ووصولًا إلى ديفيد ريكاردو وجون ماينارد كينز.

تتبنى الحكومات سياسات اقتصادية جغرافية لأنها على استعداد للتضحية بالرفاه الاقتصادي الكلي لأغراض جيوسياسية. وفي إطار هذا الهدف، توجد قيود محددة تُبرز المفاضلات التي تنطوي عليها السياسة الاقتصادية الجغرافية.

يُعد التخصّص أساسيًا للإنتاجية والنمو الاقتصادي. كما يُعد تقسيم العمل أساسيًا للكفاءة الاقتصادية الشاملة، وكما كتب آدم سميث: "يُحدّ تقسيم العمل بحجم السوق". إن التخلي المتعمد عن سوق أوسع يُقلل من قدرة الاقتصاد الوطني على التخصّص بشكل مفيد.

وكما أن تقييد سوق دولة ما بشكل مصطنع يقلّل من قدرتها على التخصّص، فإنه يقلل أيضاً من حوافزها للابتكار. يستثمر المنتجون في البحث والتطوير لاكتساب مزايا في الأسواق، وكلما اتسعت السوق واشتدت المنافسة، زادت دوافعهم لذلك.

من جهة أخرى، فإن ضوابط التصدير التي تقيد وصول اقتصاد مستهدف إلى التكنولوجيا، تمنح هذا الاقتصاد دوافع قوية للابتكار. طورت ألمانيا النازية المطاط الصناعي والميثادون عندما واجهت حصاراً من الحلفاء قطع عنها الإمدادات الطبيعية من المطاط والأفيون. ورغم أن هذا قد لا يكون الاستخدام الأمثل للموارد الألمانية، إلا أنه ساهم في الحد من تأثير السياسات الجيواقتصادية. تشير أدلة حديثة إلى أن الدول الخاضعة للعقوبات استثمرت بكثافة في الابتكار.