بالدماء والدمار والأزمات الاقتصادية الحادة، يتجه لبنان والمنطقة نحو مرحلة جديدة، من عناوينها اندحار الدول والمنظمات الإرهابية التي أدخلتنا في دوامة العبث منذ الخمسينيات. ونظرًا إلى تجارب الماضي، هناك من يشكك في قرب النهايات السعيدة، ويرى أن الطريق طويل، وأن قدرة الصمود تتآكل، خصوصًا أن النظام الإيراني، الوريث الأخير للتخريب الإقليمي، لا يقيم وزنًا لمن يموت ويجوع ويُظلم ويقبع في التخلف عن الركب الحضاري.
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة وإسرائيل أنزلتا ضربات قاسية بإيران وفصائلها العاملة في لبنان والمنطقة، لكن الضربة القاضية لن تأتي إلا من الداخل. وهذا الداخل، بفعل الزمن وعناصر عديدة، أظهر، في أمثلة كثيرة، قصوره، وبدا كالوجه الآخر للأنظمة المستبدة.
يُحكى عن فشل جورج بوش الابن في "بناء الأمة" العراقية بعد الاجتياح وإسقاط صدام حسين، ويجري التغاضي عن فشل المكونات العراقية في الإمساك بزمام الأمور. وفي ليبيا، حصل الأمر ذاته: قوى دولية أزاحت القذافي عن كاهل الليبيين، لكن من جاء بعده لا يزال ينتظر وساطة موفد دولي عند كل قضية. وخمس عشرة سنة انتظر السوريون، بعد اندلاع الثورة، زوال نظام عائلة الأسد، وكان من الأسباب الرئيسية أن بعض المعارضة جنح وأظهر أسوأ الأفكار والممارسات، إلى أن تقدّم أحمد الشرع من إدلب.
في القياس الزمني، يُقاس المخاض في منطقتنا، للانتقال إلى مرحلة الاستقرار، بعشرات السنوات. وفي حين تبدو سوريا الأسرع في الخروج من النفق، لا يزال العراق وليبيا واليمن ولبنان دولا تعاني سرعات متفاوتة على طريق الاستقرار.
وسنبقى في دوامة الأذى إذا لم نعترف بأن أزماتنا الداخلية سابقة حتى لقيام دولتي الولايات المتحدة وإسرائيل، وأن الخارج قد يساعد في الحلول أو يفاقم الأزمات، فيما الحلول الوطنية الواقعية وحدها هي التي تدوم. وللأسف، لن تتحقق الحلول في منطقتنا إلا بالقوة القاهرة، لأن عناصر التخريب، من اليمن إلى لبنان مرورًا بالعراق، منظمات نشأت بقرار خارجي وهيمنت على مكونات داخلية، وبالتالي فالمعركة مزدوجة.
يجب أن تسترد هذه المكونات، وفي لبنان المقصود الشيعة، قرارها من الولي الفقيه، لمصلحة فكر مشابه لفكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين. غير أن هذا الاسترداد يبدو بعيد الاحتمال في الأمد القريب. ومن أسبابه أن ما أخذته الدولة الخارجية، أي إيران، بالقوة لتهيمن على الشيعة، لا يُسترد إلا بقوة الدولة "الداخلية"، أي الدولة اللبنانية، لتحرير الشيعة.
في الحالتين، لا يكاد النور يلوح إلا في نهاية بعيدة للنفق. فالدولة، رغم مواقفها التاريخية، لا تزال تعتقد أن ثمة حلولا أخرى غير قهرية. والمحصلة أن الزمن لا يلعب لمصلحتها، وأنها تتجه نحو مسار استنزاف يطيح، في طريقه، حظوظ قيام صحوة شيعية قادرة على الفعل في بيئتها والتفاعل البنّاء مع المكونات الأخرى في الدولة.
ومسار الاستنزاف، بحكم الظروف الدولية، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، وسيطيح بقدرة النظام على استرداد ذاته، ليبدأ العمل الجدي على نظام بديل. وإذا وضعت الدولة هذا المنظار على عينيها، سترى أنها أول الخاسرين إذا لم تُغلّب، في هذه اللحظة التاريخية، الرؤية على منطق الحسابات والمعادلات.