داود رمال

العقوبات الشاملة وتبدّل المقاربة الأميركية

4 دقائق للقراءة
مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

تدخل العقوبات الأميركية الأخيرة على "حزب الله" في سياق يتجاوز الإجراءات المالية التقليدية التي درجت واشنطن على اعتمادها في مواجهة "الحزب" وشبكاته، إذ تبدو هذه المرة أكثر ارتباطًا بإعادة تحديد موقعه وطبيعة علاقته بإيران وانعكاسات هذه العلاقة على الدولة اللبنانية والمنطقة. فالمقاربة الجديدة لا تكتفي بتضييق الخناق على مصادر التمويل أو استهداف شبكات محددة، وإنما تسعى إلى تثبيت رؤية أميركية متكاملة تعتبر أن "الحزب" جزء من منظومة النفوذ الإيراني، وأن التعامل معه لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الإقليمية لطهران.

ويقول مصدر دبلوماسي لـ"نداء الوطن" إن "البعد الأبرز في العقوبات الأخيرة يتمثل في إعادة تصنيف "حزب الله" بموجب الأمر التنفيذي الأميركي 13224 بصيغته المعدلة، على أساس عمله لمصلحة أو بالنيابة عن "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني. ويكتسب هذا التصنيف أهمية خاصة، لأنه يرسخ في المقاربة الأميركية توصيف "الحزب" باعتباره وكيلا لإيران، لا تنظيمًا يتحرك بصورة مستقلة عن القرار الإيراني، بما يعني أن واشنطن تنظر إلى بنيته العسكرية والأمنية والمالية باعتبارها متداخلة مع منظومة إيرانية أوسع".

ويشير المصدر إلى أن "هذه الخطوة لا تشكل تحولا منفصلا عن المسار الأميركي السابق، بل تأتي تتويجًا لسنوات من التصنيفات والإجراءات التي ركزت على طبيعة الروابط العملياتية والمالية واللوجستية بين "حزب الله" و"فيلق القدس". إلا أن الجديد يكمن في الانتقال من إثبات وجود هذه الروابط واستهداف مفرداتها إلى تثبيت توصيف سياسي وقانوني أكثر شمولا لها، وبذلك تصبح العلاقة بين "الحزب" وطهران عنصرًا مركزيًا في فهم واشنطن لدوره، وليس باعتباره امتداد خارجي لنشاط لبناني محلي".

ويعتبر المصدر أن "لهذه المقاربة انعكاسات مباشرة على الملف اللبناني، لأن واشنطن تربط بصورة واضحة بين دور "الحزب" الإقليمي وبين مسألة السيادة اللبنانية. فوفق القراءة الأميركية، فإن امتلاك "الحزب" قدرات عسكرية وأمنية وشبكات مالية مستقلة عن مؤسسات الدولة يحدّ من قدرة الدولة اللبنانية على احتكار قرارها السيادي، ويجعل لبنان عرضة لانعكاسات صراعات إقليمية لا تتطابق على الاطلاق مع مصالحه الوطنية. ومن هنا، يأتي الربط الأميركي بين مستقبل "الحزب" وبين استقرار لبنان وتعافيه الاقتصادي والسياسي".

ويتابع المصدر أنه "في الجانب المالي، لا تستهدف العقوبات الموارد بحد ذاتها فقط، بل البنية التي تسمح بتدفق الأموال وتحريكها وتأمينها خارج الأطر التي يمكن للنظام المالي الدولي مراقبتها. وتشير المقاربة الأميركية إلى أن تعطيل هذه الشبكات يهدف إلى إضعاف قدرة "الحزب" على تمويل نشاطاته العسكرية والأمنية والخارجية، ورفع كلفة الحفاظ على منظومته المالية، وتعقيد قدرته على استخدام شبكات عابرة للحدود لتأمين موارده، وهذا يعني أن الضغط لن يتركز بالضرورة على كيانات معلنة، بل يمكن أن يمتد إلى أي جهة يثبت ارتباطها بهذه المنظومة".

ويضيف المصدر أن "الرسالة الأميركية لا تتوجه إلى "الحزب" وحده، بل إلى البيئة الإقليمية والدولية التي تتعامل معه، ومفادها أن أي علاقة مالية أو تجارية أو لوجستية معه أصبحت موضع تدقيق ومساءلة متزايدة، وهو ما سينعكس على هامش حركته وعلى قدرته على الاستفادة من شبكات اقتصادية ومالية خارجية، كما سيرفع مستوى المخاطر التي تتحملها الجهات التي تسعى إلى الالتفاف على العقوبات أو توفير قنوات بديلة للتمويل".

لكن الأهم، وفق المصدر، أن "واشنطن تضع هذه الإجراءات ضمن تصوّر أوسع لمستقبل لبنان، يقوم على تعزيز سلطة الدولة وحصر القرارين الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية. فالعقوبات، في هذه القراءة، ليست هدفًا قائمًا بذاته، وإنما أداة ضغط ضمن مسار يراد منه تغيير البيئة التي سمحت لـ"الحزب" بالحفاظ على قدراته المستقلة وعلى ارتباطاته الإقليمية".

وعليه، فإن التطور الأبرز في العقوبات الأخيرة لا يكمن فقط في شموليتها أو في حجم الجهات المستهدفة، بل في طبيعة الرسالة السياسية التي تحملها. إنها تعكس انتقالا أميركيًا نحو مقاربة تعتبر أن ملف "حزب الله" أصبح جزءًا من معركة أوسع تتصل بسيادة لبنان ومستقبل دولته وقدرتها على استعادة قرارها. ويبقى التحدي أمام لبنان أن يحول هذه الضغوط الخارجية إلى حافز لاستكمال بناء الدولة، لا إلى عامل إضافي في تعميق أزماته، وأن يجعل من استعادة المؤسسات لفاعليتها وسيادتها مدخلا أساسيًا إلى الاستقرار والتعافي.