الدكتور سايد حرقص

سفيرٌ بلا صفة... ودولةٌ بلا قرار

4 دقائق للقراءة

بعد سنة ونيّف على إعلان السلطة اللبنانية قرارها بحصر السلاح بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية، من دون أن تتمكن من تحويل هذا القرار من بيان حكومي إلى واقع سيادي، يقف لبنان أمام اختبار جديد أكثر وضوحاً وخطورة: هل تملك الدولة فعلاً قرارها، أم أنها لا تزال تتردد كلما اصطدمت بنفوذ خارجي؟


لقد كانت المواجهات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله» طوال الفترة الماضية «ورقة التين» التي احتمت خلفها السلطة لتبرير عجزها عن تنفيذ قراراتها. أما اليوم، فلا مواجهة عسكرية تبرر الصمت، ولا اشتباك على الحدود يمكن استخدامه ذريعة للهروب من مسؤولية الدفاع عن هيبة الدولة. القضية باتت أوضح: دبلوماسي أجنبي يتحدى قرار الدولة اللبنانية، ودولة مطالبة بأن تثبت إن كانت دولة فعلاً.


من هنا، فإن الخطوات التي اتخذها وزير الخارجية يوسف رجي في مواجهة تصرفات السفير الإيراني السابق ليست تفصيلاً بروتوكولياً ولا مجرد خلاف دبلوماسي. إنها مواجهة مباشرة مع منطق طالما تعامل مع لبنان باعتباره ساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي، ومع مؤسسات الدولة باعتبارها هامشاً يمكن تجاوزه متى تعارضت مع إرادة ومصالح طهران.


السفير الأجنبي ليس مندوباً سامياً، وبيروت ليست عاصمة تابعة لأي دولة، ولبنان ليس مقاطعة في الدولة الخمينية الكبرى. وعندما يرفض دبلوماسي مغادرة البلاد بعد سحب أوراق اعتماده أو يتعامل مع قرارات الدولة وكأنها قابلة للتفاوض، فإن المسألة لا تعود مسألة شخص، بل تصبح اختباراً لهيبة الجمهورية نفسها.

المشكلة، إذاً، ليست في السفير وحده، بل في السلطة اللبنانية التي تسمح لسفير أجنبي بأن يتحدى قراراتها ويتصرف كأنه أقوى منها.


وإذا كانت السلطة عاجزة عن فرض قرارها على ممثل دولة أجنبية، فكيف يمكن للبنانيين أن يصدقوا أنها قادرة على فرض سيادتها على السلاح غير الشرعي؟ وإذا كانت تتردد أمام تدخل دبلوماسي في شؤونها الداخلية، فكيف ستواجه منظومة سياسية وعسكرية تمتلك نفوذاً داخلياً وامتداداً إقليمياً؟


هنا تحديداً يصبح موقف وزارة الخارجية امتحاناً لكل السلطة، من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء. فالمطلوب ليس مواقف رمادية تحفظ ماء الوجه، ولا تسويات خلف الأبواب المغلقة. المطلوب قرار سيادي واضح: الدولة فوق الجميع، والسيادة ليست وجهة نظر، وقرارات المؤسسات اللبنانية ليست اقتراحات يمكن لدولة أخرى قبولها أو رفضها.


لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً من سيادته، لأنه اعتاد أن يساوم عليها تحت وطأة الخوف من انفجار الوضع الداخلي، ومن استفزاز القوى الإقليمية المؤثرة. وفي كل مرة كانت السلطة تتراجع خطوة، كان النفوذ الخارجي يتقدم خطوات؛ حتى تحوّلت سياسة تجنّب المواجهة إلى تنازل تدريجي عن القرار الوطني، وأصبح الخوف على الاستقرار ذريعة لتكريس اختلال السيادة.


ولذلك فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست مع سفير انتهت مهمته، بل مع ثقافة سياسية كاملة جعلت من السيادة شعاراً للاستهلاك، ومن القرار الوطني مساحة قابلة للمساومة.


إن حماية موقف وزير الخارجية يوسف رجي ليست دفاعاً عن شخصه، بل دفاع عن حق لبنان في أن يقول «لا» عندما تتجاوز دولة أخرى حدودها. والوقوف خلفه لا ينبغي أن يكون مجاملة سياسية، بل إعلاناً واضحاً بأن زمن السفراء الذين يتصرفون كولاة على لبنان يجب أن ينتهي.


هذه هي لحظة الحقيقة التي لم يعد ممكناً تأجيلها أو الالتفاف عليها. إيران ليست دولةً وصية على لبنان، والسفير الإيراني ليس مفوضاً سامياً فوق الدولة اللبنانية، و«حزب الله» لا يمكن أن يبقى قوةً مسلحة تتصرف خارج سلطة الدستور والقانون. ولا يحق لأي دولة أو جهة سياسية أو عسكرية أن تجعل من بيروت منصةً لإدارة صراعات إقليمية، أو أن تستخدم لبنان ورقةً في مفاوضات لا علاقة للبنانيين بها.


لقد آن الأوان لإنهاء زمن الدولة التي تطلب الإذن لممارسة سيادتها من الدويلة او من دول الوصاية. فلبنان ليس ساحةً مفتوحة للنفوذ، ولا صندوق بريد إقليمياً، ولا دولةً بالوكالة. قرار الحرب والسلم، والسلاح، والسياسة الخارجية، والعلاقات الدولية، يجب أن تكون كلها بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وحدها.


فإما أن تستعيد الدولة قرارها كاملاً، وإما أن يبقى الحديث عن السيادة مجرد شعار يُرفع في البيانات بينما يُمارس القرار الحقيقي في مكان آخر.


فهيبة الدولة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بقدرتها على فرض قراراتها واحترام حدودها، في الداخل كما في مواجهة الخارج.

 

قد يرحل السفير، لكن السؤال الذي كشفه سلوكه سيبقى مفتوحاً أمام السلطة واللبنانيين: من يحكم لبنان فعلاً؟ دولةٌ تملك قرارها وسيادتها، أم قوى تتعامل معه كساحةٍ سائبة، مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية وتبادل الرسائل على أرضه؟