من بين مئات المربّعات الملوّنة، يظهر من بعيد شكل إنسان يكاد يكتمل، لكن ملامحه تبدأ بالتفتّت كلّما اقتربت منه العين. الصورة تبدو واضحة في البداية، قبل أن تتحوّل تدريجيًا إلى ألوان متداخلة، تمامًا كالحقيقة التي يلاحقها أهالي مفقودي الحرب اللبنانية منذ سنوات طويلة، فتبدو أحيانًا قريبة، ثم تعود لتصبح أكثر غموضًا. بهذه اللغة البصرية، اختارت "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" أن تجسّد حالة الانتظار وعدم اليقين التي تعيشها آلاف عائلات المفقودين في لبنان، من خلال جدارية جديدة رسمها فنّان الغرافيتي Spazuno المعروف أيضًا بـ Spaz، وكُشف عنها في بيروت في 19 آب 2026، بالتزامن مع "اليوم العالمي للعمل الإنساني"، ومع اقتراب "اليوم العالمي للمفقودين والمخفيين قسرًا" في 30 آب.
يأتي هذا العمل ليُبقي قضية المفقودين حاضرة في الذاكرة الجماعية، ويعيد التذكير بمعاناة عائلات لا تزال، بعد عقود، تنتظر إجابة عن مصير أحبّائها ومكان وجودهم. ولا تكتفي الجدارية بأن تكون صورة تُرى، بل تدعو المارّة إلى الاقتراب منها والابتعاد عنها، ومحاولة اكتشاف تفاصيلها، في محاكاة رمزية لرحلة الأهالي الذين أمضوا سنوات في البحث عن معلومة أو أثر يقودهم إلى أحبّائهم. فمع كل خطوة نحوها، تتغيّر الصورة، كما تتغيّر مشاعر من ينتظر خبرًا قد يحمل الحقيقة التي طال انتظارها. ومن خلال الفن، تحاول الجدارية منح هذا الغياب مساحة في المدينة والذاكرة، والتذكير بأن خلف كل اسم مفقود قصة إنسان وعائلة لا تزال تنتظر.
ترجمة بصرية للفقد
يقول فنّان الغرافيتي سباز، في حديث مع "نداء الوطن"، إن فكرة الجدارية انطلقت من مفهوم الفراغ "Negative Space" أو "White Space"، وهو مفهوم أساسي في التصميم، لكنه اكتسب في هذا المشروع معنى أعمق، إذ تحوّل الفراغ من عنصر بصري إلى انعكاس لغياب أشخاص كان يُفترض أن يكونوا حاضرين في حياة عائلاتهم ومدنهم. من هنا، تطورت الفكرة لتصبح محاولة لترجمة معاناة المفقودين وذويهم بصريًا، وإشراك المشاهد في هذه التجربة بدل الاكتفاء بمشاهدتها.
ولتنفيذ الفكرة، اعتمد سباز تقنية "البكسل" (Pixels)، فجاءت الجدارية مؤلّفة من أكثر من 650 وحدة بكسل، لكل منها لونها وخصائصها، فيرمز كل بكسل إلى شخص مفقود له هويته وخصوصيته، وليس مجرد رقم ضمن قائمة. كما استخدم تقنية خداع البصر (Trompe-l'œil)، بحيث يظهر الوجه واضحًا من مسافة بعيدة، قبل أن تبدأ ملامحه بالتلاشي كلما اقترب المشاهد، إلى أن تتحول الصورة إلى مجموعة من الألوان.
ويقول سباز في هذا الشأن إن هذا التحوّل يحاكي تجربة الأهالي الذين يظنون أنهم اقتربوا من معرفة مصير أحبائهم، لكن كلما اقتربوا من الحقيقة ازدادت الصورة غموضًا. أما بالنسبة إلى الألوان، فأراد الفنان أن تحمل شيئًا من الفرح والأمل، رغم ثقل الموضوع. يضيف سباز: "صُممت الجدارية لتكون تفاعلية، إذ لا يكتفي المشاهد بالنظر إليها، بل يمكنه الاقتراب منها أو الابتعاد عنها أو استخدام هاتفه لالتقاط صورة تكشف له تفاصيلها بشكل أوضح. وهذا النوع من التفاعل يضيف بعدًا مختلفًا إلى فن الجداريات، وهو يُنفّذ للمرة الأولى في لبنان ضمن هذا الإطار".
عيش الانتظار
نسأل سباز عن الجانب الأصعب في تنفيذ المشروع، فيجيب أنه يكمن في محاولة وضع نفسه مكان أهالي المفقودين، والاقتراب قدر الإمكان من حالة الانتظار التي يعيشونها. لذلك اختار إنجاز العمل بمفرده، وتولّى بنفسه تنفيذ أكثر من 650 بكسل، حتى إنه لم يعتمد على ألوان جاهزة، بل خلط كل لون على حدة قبل تطبيقه. وبحسب سباز، لم تكن هذه العملية مجرّد خيار تقني، بل محاولة لعيش جزء، ولو صغيرًا، من معاناة الأهالي، ولأن يكون العمل نابعًا من إحساس حقيقي بالقضية، بعيدًا عن أي مقاربة سطحية أو مبتذلة لها. وقد انعكس هذا البعد الإنساني في تفاعل الجمهور مع الجدارية، الذي جاء متنوعًا بين الفضول والتأثر ومحاولة اكتشاف الصورة الكامنة خلف ألوانها.
المشاركة الفنية في إعادة التذكير بهذه القضية الإنسانية لم تقتصر على جدارية سباز، إذ قدّم عدد من طلاب التصميم الغرافيكي في "الجامعة اللبنانية الأميركية - LAU" أعمالا مستوحاة من قضية المفقودين، من بينهم دانا عز الدين وقمر يونس.
في عمل عز الدين، يحضر كرسي فارغ تحيط به شخصيات بلا ملامح، في إشارة إلى أشخاص فقدوا هويتهم ولم يتمكّنوا من العودة إلى أماكنهم. الفنانة اختارت اللونين الأحمر والأسود للتعبير عن الألم والمشاعر المتناقضة التي ترافق قضية المفقودين، بحسب ما تقول لـ"نداء الوطن"، فيما يعكس الكرسي الفارغ حالة الانتظار المستمر. أما يونس، فاختارت في عملها إدخال عناصر قريبة من جيل اليوم، ومنها حركة عفوية لشاب أمام الكاميرا، رغم أن الشخصية تعود إلى زمن الحرب الأهلية، موضحة لـ "نداء الوطن" أنها تهدف إلى ربط الماضي بالحاضر وجذب الشباب إلى قضية المفقودين. كما أدرجت أسماء لشخصيات تنتمي إلى مكوّنات مختلفة من المجتمع اللبناني، في تأكيد أن القضية تتجاوز الطوائف والانتماءات.
إذًا، على حائط المبنى الذي يضم بعثة "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" في شارع الحمرا ببيروت، لم تكن الجدارية مجرّد عمل فني يُضاف إلى جدران المدينة، بل محاولة لإعطاء الغياب وجهًا، ولتحويل الانتظار الذي تعيشه عائلات المفقودين إلى صورة يمكن لكل عابر أن يراها ويتوقف عندها. فخلف كل بكسل لون، ووراء كل اسم وكل كرسي فارغ حكاية شخص ما زال غائبًا، وعائلة لم تحصل بعد على جواب. وبينما تتلاشى ملامح الصورة كلّما اقتربنا منها، تبقى الحقيقة الأوضح أن قضية المفقودين لم تختفِ، وأن وراء كل غياب إنسانًا يستحق أن يُذكر، وعائلة تستحق أن تعرف.