أعربت فرنسا والمملكة العربية السعودية عن رؤيتهما المشتركة للاستقرار في الشرق الأوسط، القائمة على احترام سيادة الدول والقانون الدولي، والسعي إلى التوصل لحلول سياسية ودبلوماسية للنزاعات والتهديدات الأمنية.
جاء ذلك في بيان مشترك بين فرنسا والمملكة العربية السعودية، اليوم الاثنين، بمناسبة زيارة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى باريس يومي الأحد والاثنين.
وذكر البيان أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمير محمد بن سلمان جددا، خلال لقائهما اليوم الاثنين، التأكيد على طموحهما لتعزيز "الشراكة الاستراتيجية" التي تربط بين الجمهورية الفرنسية والمملكة العربية السعودية، مسلطين الضوء بصورة خاصة على العمق التاريخي للعلاقات بين البلدين، بمناسبة الذكرى المئوية لإقامة العلاقات السياسية الفرنسية السعودية.
وأكد الجانبان مجددا طموحهما المشترك في أن تمنح الشراكة الاستراتيجية بين فرنسا والسعودية، التي أعلن عنها خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس ماكرون إلى المملكة في الفترة من 2 إلى 4 كانون الأول 2024، زخما جديدا لعلاقات الصداقة والثقة والاحترام المتبادل بين البلدين، وأن تستجيب لمصالحهما المشتركة وللتحديات التي تواجه العالم ومنطقة الشرق الأوسط.
وأضاف البيان أنه، انطلاقا من هذه الروح، ترأس القائدان الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي السعودي، وأطلقا بهذه المناسبة مبادرات جديدة ترد تفاصيلها في محاضر المجلس، وتهدف إلى تعزيز الروابط بين البلدين في جميع مجالات التعاون.
وفيما يتعلق بإيران، شدد الجانبان على ضرورة التوصل إلى حل تفاوضي لتجنب المزيد من التصعيد وضمان الأمن الإقليمي، وأكدا مجددا التزامهما الطويل الأمد بالتوصل إلى حل دبلوماسي يضمن الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، داعيين إيران إلى استئناف التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفيما يخص أمن الملاحة البحرية، أدان الجانبان الهجمات على السفن في مضيق هرمز والتهديدات التي تمس أمن الممرات المائية، وشددا على أهمية إعادة الملاحة في المضيق إلى حالتها الطبيعية كما كانت قبل 28 شباط 2026، من حيث ضمان حرية الملاحة وانتظام حركة الشحن وعدم فرض أي رسوم مباشرة أو غير مباشرة أو قيود على المرور، وفقا للقانون الدولي.
وحول القضية الفلسطينية وقطاع غزة، رحبت فرنسا والسعودية بالإعلان عن اتفاق لنزع سلاح حركة حماس ودعتا إلى تنفيذه. وأكد الجانبان ضرورة تهيئة الظروف للتوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار، وضمان إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة والآمنة ودون عوائق إلى المدنيين في قطاع غزة.
كما شددا على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ورفضا أي محاولة لتقويض حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967.
ودعت فرنسا والسعودية إلى إنهاء سياسة الاستيطان الإسرائيلي وعنف المستوطنين اللذين يهددان حل الدولتين، وكررتا التزامهما بالتنفيذ الكامل لإعلان نيويورك. وأعاد الجانبان تأكيد دعمهما لبرنامج إصلاح السلطة الفلسطينية، ورحبا بالإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في فلسطين.
وفيما يتعلق بالملف اللبناني، اتفق الجانبان على تكثيف جهودهما من أجل التوصل إلى حل نهائي للنزاع في لبنان، يتضمن تعزيز الدولة اللبنانية ومؤسساتها، والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه.
وأشاد الجانبان بالخطوات التي اتخذها الرئيس جوزيف عون والحكومة اللبنانية برئاسة رئيس الوزراء نواف سلام لإعادة بناء مؤسسات الدولة وبسط سلطتها.
وأكد الجانبان مجددا التزامهما بدعم القوات المسلحة اللبنانية والأجهزة الأمنية لتمكينها من أداء مسؤولياتها الوطنية بالكامل، وشددا على أهمية التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وضرورة استكمال عملية نزع سلاح جميع "الجماعات المسلحة" غير التابعة للدولة بنجاح، كما أكدا ضرورة انسحاب "إسرائيل" من جميع الأراضي اللبنانية.
وحول اليمن، جدد الجانبان تأكيد دعمهما لمجلس القيادة الرئاسي اليمني ولجهود الأمم المتحدة الرامية إلى التوصل إلى حل شامل ومتكامل للأزمة. وأدانا استهداف الحوثيين للبنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية في المملكة، فضلا عن هجماتهم على السفن.
وأشار الجانبان إلى عزمهما الحفاظ على حرية الملاحة، وشددا على أن "استفزازات" الحوثيين تفاقم المعاناة الإنسانية للشعب اليمني. كما أكد الجانب الفرنسي تضامنه ودعمه الكامل للمملكة العربية السعودية، وشدد على رفضه لأي هجمات تستهدف أراضي المملكة.
وفيما يتعلق بالسودان، أكد الجانبان أهمية تكثيف الجهود لإنهاء الأزمة ووقف التدخلات الخارجية في السودان، بما يضمن أمنه واستقراره، ويحفظ سيادته واستقلاله، ويصون وحدة أراضيه وسلامة مؤسساته.
وحول سوريا، شدد الجانبان على التزامهما بوحدة سوريا واستقرارها وتعافيها الاقتصادي، وسلطا الضوء على أهمية وجود إطار مؤسسي قوي يشجع على تكثيف الاستثمارات الاقتصادية. ورحب الجانبان بشكل خاص بإنشاء مجلس أعمال سعودي سوري فرنسي.
واستمرارا للتعاون الدفاعي التاريخي بينهما، اعتمد الجانبان إعلانا يعزز التعاون الدفاعي، بما في ذلك في مجالات التسليح والتدريب، والتزما بزيادة التنسيق بينهما لتحقيق المصالح المشتركة والمساهمة في الأمن والاستقرار العالمي.
وأشاد الجانبان بقوة الروابط الاقتصادية والتجارية بين البلدين، مشيرين إلى نمو حجم التجارة الثنائية التي بلغت نحو 11.8 مليار دولار عام 2025.
وفي قطاع الطاقة، أكد الجانبان أهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية وأمن الإمدادات وحماية الممرات البحرية، مع الإشادة بدور المملكة وجهودها في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد واستدامة مصادر الطاقة.
كما شدد الجانبان على ضرورة تعزيز التعاون الاستراتيجي في مجالات النفط والبتروكيماويات وتوليد الكهرباء المستدامة، بما في ذلك كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة والطاقة النووية السلمية والهيدروجين النظيف وتقنيات خفض وإزالة الانبعاثات، فضلا عن بناء القدرات في هذه المجالات.
ونوه الجانبان أيضا بأهمية التعاون في القضايا المناخية والحلول التكنولوجية ذات الصلة، وأشادا بالعلاقات التجارية القائمة والمشروعات المشتركة بين البلدين، وضرورة تعزيزها.
وذكر البيان أنه، باعتبار فرنسا مستثمرا رائدا في المملكة العربية السعودية، ولا سيما في قطاعات الطاقة وإدارة المياه والنقل والخدمات اللوجستية، اتفق البلدان على تعزيز الروابط الاقتصادية والاستثمارات المتبادلة، وشددا على أهمية تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية ومؤسسات التأمين والتمويل في البلدين.
وفي هذا الصدد، رحب الجانبان بطموح شركة القدية للاستثمار لتطوير وجهة رئيسية متعددة الاستخدامات ومنتجعات في منطقة سيرجي بونتواز (Cergy-Pontoise) بإقليم إيل دو فرانس، تجمع بين الترفيه والاستجمام والضيافة والثقافة والرياضة ضمن وجهة متكاملة جديدة، وتتضمن الطموحات الحالية إقامة ما يصل إلى ثلاثة مراكز ترفيهية رئيسية وفنادق وتجارب ترفيهية تكميلية، بإجمالي استثمارات تصل إلى نحو 6 مليارات يورو على مدى دورة تطوير المشروع.
كما اتفق الجانبان على إنشاء إطار مالي مخصص وفعال لدعم المشروعات التي تنفذها الشركات الفرنسية في المملكة العربية السعودية، وتعميق التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والتقنيات الناشئة وبناء القدرات.
وأكد البيان أنه، رمزا لقوة هذه الشراكة، جددت السعودية وفرنسا التأكيد على أهمية التعاون الاستثنائي بينهما في العلا، في إطار رؤية المملكة 2030، ولا سيما في مجالات الآثار والتراث والثقافة.
وفي هذا الصدد، قرر الجانبان تمديد الشراكة السعودية الفرنسية بشأن العلا حتى عام 2035، والعمل على تطوير إطار متطور يعكس نضج التعاون بين البلدين ويستفيد من الفرص التي توفرها العلا كوجهة ثقافية وتراثية رئيسية في القرن الحادي والعشرين.
وأعربت فرنسا والسعودية عن سعادتهما بنجاح النسخة الثالثة من كأس العالم للرياضات الإلكترونية، التي أقيمت في باريس خلال صيف عام 2026، وأكدتا مجددا التزامهما بمواصلة تعزيز التعاون والشراكة في مجالات الثقافة والشباب والرياضة، إلى جانب تطوير برامج وأنشطة مشتركة بين البلدين.
وفي إطار معرض "إكسبو الرياض 2030" الذي تنظمه المملكة العربية السعودية، رحب الرئيس ماكرون وولي العهد السعودي بمشاركة فرنسا في هذا الحدث التاريخي للمملكة، واتفقا على جعله محطة بارزة في العلاقات الفرنسية السعودية، من خلال إشراك الجهات الفاعلة ذات الصلة من كلا الجانبين.
وذكر البيان أنه خلال الزيارة تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الدفاع والرعاية الصحية والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة والترفيه.
ورحب الجانبان بنتائج اجتماع الطاولة المستديرة للاستثمار الفرنسي السعودي، الذي اختتم أعماله بحضور ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
وقد جمعت الطاولة المستديرة عددا من كبار الرؤساء التنفيذيين وممثلي القطاع الخاص السعودي والفرنسي لمناقشة المشروعات المشتركة والآفاق المستقبلية للتعاون بين البلدين، كما استعرضت فرص التعاون والاستثمار في عدد من القطاعات الرئيسية، بما في ذلك الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والثقافة والسياحة والذكاء الاصطناعي.
ورحب الجانبان كذلك بالإعلان عن أكثر من 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم، بما يعكس تنامي الشراكة الاقتصادية بين البلدين ويفتح آفاقا جديدة للتعاون والاستثمار المشترك.