كتبت ميشيلا رزق في موقع The Beiruter المقال الآتي:
بعَد 17 عامًا من الإِنتظار، ينتقل مشروع "كنيسة معموديَّة السيِّد المسيح المارونيّة" في المغطَس من حجر الأساس والمخطَّطات إلى ورشَةِ البناء.
بدأ مسار المشروع عام 2009، ووُضع حجر أساسه عام 2012، لكن أكثر من عقد مرّ قبل أن تتوافر الظروف الهندسية والإدارية والمالية اللازمة لتنفيذه. واليوم، أصبح التمويل مؤمنًا، فيما يُتوقع أن تستغرق أعمال البناء نحو 18 شهرًا.
وما سيُبنى في الموقع المرتبط، بحسب التقليد المسيحي، بمعمودية السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، ليس كنيسة فقط، بل صرح متكامل يضم مرافق للحجاج والرعية والإقامة والنشاطات.
لكن مشروع المغطس ليس سوى جزء من خطة أكبر. ففي معلومات يكشفها الوكيل البطريركي للموارنة في الأردن الأب جوزيف سويد حصريًا لـThe Beiruter، يجري التحضير أيضًا لمشروع كنيسة جديدة على اسم القديسة رفقا في الفحيص، على أرض تبلغ مساحتها نحو 11 ألف متر مربع. ومع كنيسة مار شربل في عمّان وكنيسة المغطس، يمكن لهذا المشروع الثَّالث، وفق رؤية الأب سويد، أن يشكّل خطوة على طريق ترسيخ الحضور المارونيّ في المملكة، وتطويره مستقبلًا إلى كيان كنسي ماروني متكامل.
مشروع بدأ عام 2009
بدأت رحلة المشروع عام 2009، عندما خصّص صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين قطعة أرض في منطقة المغطس، للكنيسة المارونية، تبلغ مساحتها نحو أربعة آلاف متر مربع.
انطلق المشروع في عهد البطريرك الراحل نصرالله بطرس صفير، قبل أن ينتقل إلى مرحلة جديدة مع البطريرك بشارة بطرس الراعي، الذي وضع حجر الأساس في الموقع عام 2012.
لكنَّ وضع حجر الأساس لم يتبعه بدء مباشر للبناء. فالملف دخل في مسار طويل شمل تسجيل الأرض واستكمال الوثائق والموافقات وتطوير المخططات، إلى جانب البحث عن صيغة هندسية تتلاءم مع الخصوصية الدينية والأثرية للمغطس والضوابط المرتبطة بالموقع.
وفِي سنَة 2024 فَوَّض البطريرك المارونِيّ الأب سويد متابعة المشروع بشكل مباشر، وَذلك لاستكمال الملفات المرتبطة بالأرض والمخطَّطات والوثائق إلى التواصل مع الجهات الأردنية والكنسية والجالية اللبنانية فِي بلاد الإغتراب والإنتشار المسيحي في العالم وَالدبلوماسيّين المعنيين وتأمين الأموال اللازِمة لإطلاق ورشة الإعمار.
وعلى الجانب الأردني، كان الأمير غازي بن محمد، مستشار الملك للشؤون الدينية والثقافية، من أبرز المتابعين للمشروع.
وبعد سنوات من الإجراءات والمخططات ومحاولات تأمين التمويل، وصل المشروع اليوم إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
لماذا موقع الكنيسة مختلف؟
خصوصية المشروع لا ترتبط بوجوده في المغطس فقط، بل بالمكان الذي تشغله الكنيسة داخل الموقع.
ففي معلومة يكشفها الأب سويد لـThe Beiruter، خُصص للكنيسة المارونية موقع بارز عند مدخل المغطس، بحيث تكون واجهتها من أول ما يراه الزائر عند دخوله.
ويضع الأب سويد ذلك في سياق العلاقة التاريخية التي جمعت العائلة الهاشمية بالبطريركية المارونية، منذ عهد الملك الحسين بن طلال وصولًا إلى الملك عبد الله الثاني.
أما الرابط مع بكركي، فلا يقتصر على هذه العلاقة.
ففي تفصيل يكشفه الأب سويد لـThe Beiruter، طلب الأمير غازي بن محمد أن تستوحي واجهة الصرح في المغطس واجهة الصرح البطريركي في بكركي. وبذلك، سيحمل الصرح الماروني عند مدخل المغطس إشارة معمارية مباشرة إلى مقر البطريركية المارونية في لبنان.
ليس مبنى كنسيًا فقط
وصف المشروع بأنه "كنيسة جديدة" لا يعكس حجمه الفعلي.
فالكنيسة جزء من صرح متكامل يضم مرافق مخصصة للحجاج والرعية والإقامة والنشاطات. ومن بينها مسرح تحت الأرض، ومساحات لاستقبال المقيمين وأبناء الرعية، إضافة إلى "خيمة راعوث"، التي تحمل اسم راعوث الواردة في النسب الكتابي للمسيح.
ويُراد لهذه المرافق أن تسمح للموقع باستقبال الحجاج وتنظيم النشاطات الدينية والثقافية، بدل أن يقتصر استخدامه على إقامة القداديس.
ولهذا، فإن تمويل المشروع لا يتعلق ببناء الكنيسة وحدها، بل بإنجاز الصرح بمرافقه وتجهيزاته المختلفة، بما يشمل الأعمال الإنشائية والبنية التحتية والتجهيزات التقنية والخدمات الأساسية اللازمة لتشغيل الموقع بعد افتتاحه.
عشر سنوات من المخططات
الوصول إلى مرحلة التنفيذ سبقه مسار هندسي امتد لسنوات.
رافق المهندس أسامة طوال المشروع منذ مراحله الأولى، وأجرى دراسة للموقع وخصوصيته التاريخية والروحية والهندسية، وعمل على تطوير المخططات على مدى نحو عشر سنوات.
وكان أحد أبرز التحديات الوصول إلى تصميم يجمع بين الهوية المعمارية المطلوبة للصرح والضوابط المرتبطة بموقع المغطس ومتطلبات اليونسكو، في موقع لا يمكن التعامل معه كمبنى منفصل عن محيطه الديني والأثري.
أما مع الانتقال إلى التنفيذ، فيتولى المهندس حبيب حداد وفريقه متابعة الجانب الهندسي والميداني للمشروع، بالتنسيق مع طوال والجهات الأخرى المعنية.
التمويل الذي أنهى سنوات الانتظار
بقي التَّمويل لسنواتٍ، العقبة الأساسيّة أمام تحويل المخطَّطات إلى بناء، إلى أن تغيّرت المعادلة عندما وافق رجل الأعمال اللُّبناني الشَّيخ سركيس إلياس سركيس على تأمين التَّمويل الكامل للمشرُوع.
وقد عبّر الأب سويد عن امتنانه لهذا الدَّعم، معتبرًا أنّه "أعاد الأمل إلى مشروع انتظر منذ عام 2009"، وأنّ الهدف لم يكن بناء كنيسة فحسب، بل "إقامة بيت للصلاة، ومنارة للإيمان، ومقصد للحجّاج، وجسر للمحبّة واللقاء بين الشعوب".
ومع تأمين التَّمويل، انتقل المشرُوع أخيرًا إلى مرحلة التَّنفيذ، على أن تستغرق أعمال البناء، وفق الجدول الحالي، نحو 18 شهرًا.
ويكتسب هذا الدعم خصوصية أكبر بالنظر إلى قدسيّة الموقع الذي سيحتضن الصرح؛ "فهذه الأرض هي أرض معمودية السيّد المسيح على يد يوحنّا المعمدان، حيث انفتحت السّماوات، وحلّ الرُّوح القدس، وسُمِع صوت الآب: "هذَا هُوَ ابْنِيَ الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ"."
من موقع المعمودية إلى "لبنان المنتشر"
اختيار المغطس يحمل دلالة تتجاوز توسيع الحضور الجغرافي للكنيسة المارونية في الأردن.
فالموقع يرتبط، بحسب التقليد المسيحي، بمعمودية السيد المسيح على يد يوحنّا المعمدان في نهر الأردن، وبالمشهد الإنجيلي الذي يجمع حضور الابن وحلول الروح القدس وصوت الآب.
ويختصر الأب سويد رمزية المكان بالقول إن "السماء والأرض التقتا هناك."
لكن الهوية الروحية للمشروع لا تعني أن الصرح موجه إلى الموارنة وحدهم.
فرغم هويته المارونية، يُراد له أن يشكل محطة للبنانيين أيضًا، بمن فيهم أبناء الانتشار، وأن يستقبل الحجاج القادمين من لبنان والجاليات اللبنانية حول العالم.
ويصف الأب سويد المشروع بأنه "كنيسة كل لبنان ولبنان المنتشر"، في رؤية تسعى إلى جعل الموقع مساحة تجمع تتجاوز الرعية المارونية المحلية.
على أجندة المشروع: من الافتتاح إلى يوبيل 2030
لا تنتهي خطة المشروع مع اكتمال البناء.
ففي معلومات كشفها الأب سويد خلال حديثه مع The Beiruter، تستعد النيابة البطريركية المارونية في الأردن لربط افتتاح الصرح بالتحضيرات ليوبيل 2030، المرتبط بمرور نحو ألفي عام على بشارة يوحنا المعمدان ومعمودية المسيح وبداية رسالته العلنية.
ومن المخطط أن تسبق اليوبيل سلسلة من المحطات المرتبطة بالحضور الماروني في الأردن، أبرزها ثلاثة أحداث يُراد جمعها ضمن برنامج واحد:
- الإِحتفال بذكرى يوبيل 30 سنة لتأسيس كنيسة مار شربل في عمَّان،
- افتتاح كنيسة "معموديّة السيّد المسيح في المغطس"،
- وضع حجر الأساس لمشروع كنسيّ جديد في منطقة الفحيص.
وتحمل هذه المحطات بعدًا يتجاوز الاحتفالات الكنسية المحلية، إذ يجري التحضير لها كفرصة لاستقطاب قيادات كنسية ومدنية وحجاج ولبنانيين من لبنان والانتشار وربطهم بالمواقع المسيحية التاريخية في الأردن.
ويطرح الأب سويد تصورًا أبعد يمتد حتى عام 2033، بحيث تستمر حركة الحَج في السَّنوات التَّالية ليوبيل 2030، لتواكب المحطَّات المرتبطَة بحياة السَّيد المسيح ورسالته وموته وقيامته.
وفي هذا التصور، يمكن أن يشكل الأردن ولبنان جزءًا من مسار أوسع للحجاج القادمين إلى المنطقة، من خلال ربط المواقع المسيحية التاريخية في البلدين بدل التعامل مع كل منهما كوجهة منفصلة.
حصريًا: كنيسة للقديسة رفقا
ولا تتوقف خطط توسيع الحضور الماروني عند عمّان والمغطس.
ففي معلومات يكشفها الأب سويد للمرّة الأولى لـThe Beiruter، يجري التحضير لإنشاء كنيسة على اسم القديسة رفقا في الفحيص، على أرض تبلغ مساحتها نحو 11 ألف متر مربع يقول إنّ جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين خصصها للمشروع.
وعلى خلاف صرح المغطس الذي انتقل إلى مرحلة التنفيذ، لا يزال مشرُوع كنيسة القدّيسة رفقا في الفحيص في مراحله الأولى، ولم يُؤمّن تمويله بعد.
لكن أهمية المشروع تتجاوز إضافة كنيسة جديدة.
فالكنيسة المارونية موجودة اليوم في عمّان من خلال كنيسة مار شربل، فيما ينتقل صرح معمودية السيد المسيح في المغطس إلى مرحلة البناء. وإذا أضيفت إليهما كنيسة القديسة رفقا في الفحيص، سيكون للموارنة
كما أن اختيار الفحيص ليس تفصيلًا ثانويًا في هذه الخطة، إذ تُعد المنطقة من أبرز التجمعات المسيحية في الأردن، ما يمنح المشروع المرتقب بعدًا مختلفًا عن كنيسة عمّان وصرح المغطس.
وفي حال تقدم المشروع، من المخطط أن يكون وضع حجر أساس كنيسة القديسة رفقا إحدى المحطات الثلاث الكبرى التي ترافق المرحلة المقبلة.
من كنيسة إلى مشروع حضور
بعد 17 عامًا من الانتظار، ينتقل صرح المغطس أخيرًا من المخططات إلى التنفيذ. لكن ما يتشكل حوله يتجاوز بناء كنيسة جديدة، باتجاه حضور ماروني يمتد بين عمّان والمغطس والفحيص، ويرتبط في الوقت نفسه بحركة الحج وباللبنانيين في الوطن والانتشار.
بعض هذه الخطط أصبح ورشة على الأرض، وبعضها لا يزال ينتظر التمويل والمراحل اللازمة لتحويله إلى واقع.
أما الآن، فالمغطس هو البداية.