في ضيافةٍ عزيزةٍ، ها أنا أعود إلى صفحات "نداء الوطن" بعد غياب 27 عاماً، إذ تركتُ في العام 1994 هذا المنبر الراقي الذي كنتُ رئيساً لقسم الرياضة فيه، وبثقةٍ لا أنساها من أستاذنا، رئيس التحرير آنذاك، راجح الخوري.
خلال هذه السنوات، تقلّبت الرياضة اللبنانية كثيراً بين نجاحاتٍ وإخفاقاتٍ، لكنني لم أتخيّل يوماً أنها سوف تصلُ إلى هذا الواقع المزري من الإنحدار، والمدهشُ أن هذا التدنّي ليس فنيّاً أو إدارياً فحسب، بل هو جزءٌ من سقوط أخلاقيّ وقيميّ كبير يعيشه وطننا.
في هذه الفترة الصعبة، حيثُ وصلت الأوضاع الإقتصادية إلى الحضيض، وحيثُ الأوضاع الصحية تخيّم على تفاصيل حياتنا، وحيثُ الأفقُ المسدود، وحيثُ يتغنّى الجميع بأن الشرعة الأولمبية الدوليّة تُحرّم تدخل السياسة في الرياضة، تتناحرُ السياسة اللبنانية علناً على اللجنة الأولمبية اللبنانية. إنهُ لأمرٌ مؤسفٌ حقّاً، أن تقرّر السلطة التي أوصلتنا إلى القعر، حرمان وزارة الشباب والرياضة من مساهماتِ الحدّ الأدنى في موازنتها للاتحادات الرياضية، ثم تأتي لتتناحر على "لجنةٍ" لا تملكُ من القدرة سوى عنوان، هو أنها رأسُ السلطة الرياضيّة الأهلية.
إنهُ لأمرٌ مؤسفٌ حقّاً، أن السلطة بمكوّناتها السياسية التي لم تعِ يوماً، منذ نشأة الجمهورية اللبنانية، قيمة قطاعَي الرياضة والشباب، فأسّست لهما وزارة بلا هيكلية فاعلة ولا موازنة ولا مقوّمات الحياة، تأتي اليوم لتحطم الذراع الأهلية لهذه الوزارة.
ستعيش اللجنة الأولمبية اللبنانية بعد أيامٍ قليلة معركة طاحنة، لا قيمة لمن سيفوزُ بها، لأنه سيرثُ هيكلاً محطّماً، ولأن التداعيات ستنعكسُ حكماً، وفي مفعولٍ لاحق، على مختلفِ الاتحاداتِ الرياضية، وسيلعنُ أهل الرياضة أنفسهم، لأنهم أدخلوا السياسة إلى هذا الحدّ المدمّر في حياتهم. في هذا الوقت، قامت وزارة الشباب والرياضة بمحاورة بعض الاتحادات التي أتت معظمها بلا رؤية أو مشروع أو أفق، علّها تتمكن من تسريع توقيت الإفراج عن الأنشطة المحلية، ولكن... لنكن واقعيين، فالغالبية الساحقة من الاتحادات لا تملك القدرة التنظيمية على ضبط الآليات الصحية، ولا تملك الامكانيات المادية، والأولوية اليوم لا يجبُ أن تكون للرياضة بل للصحة، وكفى البعضُ مزايداتهم الصادرة تحت عنوان فتح الأندية الرياضية، وهي رياضية الشكل تجارية المضمون. بكل محبة، وبكثير من المثالية، أعتقدُ أن الأسرة الرياضية اللبنانية مُطالبة بتوحيد الجهود لإنتاجِ "لجنة أولمبية رياضية"، وخوض معركة استعادة المساهمات المالية لموازنة وزارتهم، وتكاتف الأيدي لإنجاز استراتيجية مستقبلية موّحدة للحركة الرياضية ككل بدءاً بوزارتها ولجنتها الأولمبية، وذلك كله لن يحصل، لأنّ كلّ واحدٍ يغنّي على سياسته ومرجعيته، والأكثرية الساحقة مهتمّة برصيدها الشخصيّ ومواقعها الإدارية المحلية والخارجية و"البيزنس" وسفرات "رفع اسم الوطن" والآتي أعظم.
حسن شرارة
إعلامي رياضيّ