فاروق غانم خداج

هل أخطأنا في تاريخ ميلاد الرواية العربية؟

5 دقائق للقراءة

ليس أخطر ما في التاريخ الأدبي أن يُنسى اسم، وإنما أن يتحوّل النسيان، مع مرور الزمن، إلى رواية ثابتة عن التاريخ نفسه. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في العبارة الشائعة التي تجعل "زينب" لمحمد حسين هيكل، الصادرة سنة 1914، نقطة البداية للرواية العربية الحديثة. فهذه المكانة لا ينبغي إنكارها، لكنها تحتاج إلى تحديد: هل نتحدث عن أول رواية عربية؟ أم عن نص اكتملت فيه، في نظر النقاد، ملامح الرواية الحديثة؟

تكشف البدايات المبكرة أن المشهد كان أكثر تعقيدًا. فقد نشر خليل الخوري "وي، إذن لست بإفرنجي" في جريدته "حديقة الأخبار" سنة 1859، وأعيد نشرها سنة 1860، وهي اليوم من أبرز النصوص المرشحة لريادة الرواية العربية. كما ظهرت نصوص سردية أخرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ما يجعل الحديث عن ولادة مفاجئة للرواية مع "زينب" تبسيطًا لمسار أدبي طويل.

وتبرز زينب فواز، اللبنانية التي عاشت في مصر، بوصفها واحدة من أهم الأصوات المبكرة. فقد نشرت "حسن العواقب" أو "غادة الزاهرة" سنة 1899، قبل "زينب" بنحو خمسة عشر عامًا. وتكتسب هذه الرواية أهمية إضافية لأنها تكشف حضور المرأة في تشكّل السرد العربي الحديث، لا بوصفها موضوعًا للرواية فحسب، بل بوصفها مؤلّفة تشارك في صناعة هذا الفن.


"بديعة وفؤاد"

ثم تأتي عفيفة كرم، المولودة في عمشيت سنة 1883، لتضيف إلى هذه الخريطة صوتًا نسائيًا ومهجريًا واضحًا. ففي نيويورك نشرت سنة 1906 "بديعة وفؤاد"، التي عُدّت باكورة أعمالها الروائية. وأعيد إصدارها في طبعة مغربية سنة 2008، ضمن سلسلة يشرف عليها الناقد سعيد يقطين، الذي رأى فيها بناءً روائيًا متكاملا ووعيًا بالشكل الفني وخصوصيّته. وتقوم الرواية على قصة حب تصطدم بالتقاليد والتمييز الاجتماعي، لكنها تتجاوز الحكاية العاطفية إلى مساءلة العادات وأنماط السلوك والتفاوتات بين المجتمع العربي والمهجر.

ولا تتوقف أهمية كرم عند هذه الرواية؛ فقد واصلت مشروعها بـ "فاطمة البدوية" و "غادة عمشيت"، كما ارتبط اسمها بالصحافة النسائية في المهجر. وهكذا تبدو تجربتها جزءًا من حركة أوسع شاركت فيها نساء عربيات في الكتابة والصحافة، في وقت كانت فيه مساحة الحضور الثقافي للمرأة محدودة.

وتزداد الصورة اتساعًا مع "كتاب خالد" لأمين الريحاني، الصادر سنة 1911، لكنه كُتب بالإنكليزية، ولذلك لا يصح تقديمه بوصفه رواية عربية اللغة، وإن كان عملا مهمًا في أدب المهجر. وفي سنة 1912 صدرت "الأجنحة المتكسرة" لجبران خليل جبران، قبل "زينب" بعامين، لتؤكد أن المسار الروائي كان متعدد المراكز والتجارب.

لكنْ هناك سؤال أعمق: ماذا نعني أصلا بكلمة "رواية"؟ هل يكفي أن يكون النص طويلا، قائمًا على شخصيات وأحداث وحبكة؟ أم ينبغي أن نبحث عن بناء فني حديث، وتقنيات سرد متطوّرة، واستقلال نسبي عن الوعظ والتعليم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحدّد بالضرورة من نضعه في موقع "الأول". ولهذا لا يصح محاكمة نصوص القرن التاسع عشر بمعايير لم تكن قد استقرت في البيئة الأدبية العربية آنذاك.

وفي هذا السياق ترد أحيانًا إشارة إلى "آلام نزار" المنسوبة إلى حنا كرام، مع تاريخ 1858، بوصفها نصًّا أسبق من الأعمال المعروفة. غير أن هذا التاريخ وهذه النسبة يحتاجان إلى توثيق ببليوغرافي صارم قبل اعتمادهما في كتابة تاريخ الرواية العربية. والأدق أن نذكرهما ضمن الآراء المتداولة التي تستحق البحث، لا ضمن الحقائق المحسومة.


مكانة "زينب"

وهنا ينبغي أن نحافظ على مكانة "زينب" بدل أن نسعى إلى إسقاطها. فقد صدرت سنة 1914، واستقرت في النقد العربي بوصفها، عند كثير من الدارسين، علامة على نضج الرواية الحديثة. والأهم أن هيكل نفسه بدأ كتابة العمل في باريس سنة 1910، وأتمّه سنة 1911، ثم نشره أول مرة باسم "مصري فلاح"، قبل أن يثبت اسمه عليه لاحقًا. وهذا يكشف أن الرواية نفسها كانت تدخل آنذاك مرحلة جديدة من الاعتراف الأدبي.

المشكلة، إذن، ليست في "زينب"، بل في تحويلها من محطة ناضجة إلى نقطة صفر. فالأسبقية الزمنية شيء، والريادة الفنية شيء آخر، والتأثير التاريخي شيء ثالث. والتاريخ الأدبي ليس مرآة محايدة؛ إنه أيضًا تاريخ ما حُفظ، وما أعيد نشره، وما دخل المناهج، وما تكرر الاستشهاد به.

ومن هنا يصبح تصحيح التسلسل الزمني فعلا نقديًا لا مجرّد إضافة اسم إلى قائمة الرواد. حين نعيد قراءة النصوص المنسية، لا نبدّل بطلا بآخر، بل نكشف شبكة من المحاولات التي ساهمت في تكوين الذائقة السردية. وربما كان الأفضل أن نتحدث عن "بدايات" للرواية، وعن مراحل تبلوُر، بدل البحث عن لحظة ميلاد واحدة.

لذلك لا تحتاج الرواية العربية إلى بداية جديدة بقدر ما تحتاج إلى تاريخ أوسع لبداياتها. خليل الخوري، وزينب فواز، وعفيفة كرم، والريحاني، وجبران، وهيكل، وغيرهم، لا يتنافسون بالضرورة على لقب واحد؛ إنهم يكشفون أن الرواية العربية نشأت من طرق متعددة ومتداخلة. والسؤال الأهم ليس: من كتب أول رواية؟ بل: من كتبوا قبل أن يستقر التاريخ على من نتذكّرهم اليوم؟


تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في اعتبار "زينب" نقطة البداية للرواية العربية الحديثة (إنترنت)

غلاف إحدى روايات عفيفة كرم (إنترنت)



كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني