عيسى مخلوف

المُصالحة بين الإنسان والحيوان!

4 دقائق للقراءة

تنشغل فرنسا الآن، كما بقيّة دول العالم، بمحاربة وباء كورونا والتحسُّب لانعكاساته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة. وفيما الصراع مُحتدم حول تأمين اللقاح وتأخُّر وصوله المُنتظَر وبطء توزيعه، تبنَّى البرلمان الفرنسي، نهاية الشهر الماضي، مشروع قانون لمكافحة إساءة معاملة الحيوانات. وفي هذا الصّدد، رُفعَت عقوبة السجن إلى ثلاث سنوات، ودفع غرامة مالية تبلغ 45 ألف يورو في حالة الانتهاكات الجسيمة.

منذ العام 2015، كان البرلمان نفسه قد أقرَّ تغيير أنماط التعاطي مع الحيوانات، لأنها "كائنات حيّة حسّاسة" وليست مجرّد أشياء للتسلية والاستهلاك فحسب. ومع الوباء وفرضيّة انتقاله إلى الإنسان عبر الحيوان، سيُمنَع، بصورة تدريجيّة، احتجاز حيوانات "السيرك" المفترسة داخل الأقفاص، والدلافين في مسابح الملاهي، كما ستُغلَق الحظائر المخصّصة لإنتاج الفرو.

يعيش ما يقارب 63 مليون حيوان أليف داخل المنازل في فرنسا وفقاً لآخر إحصاء نُشر الربيع الماضي، وتتألّف هذه الحيوانات خصوصاً من قطط وكلاب وأرانب وعصافير. هناك ستّون في المئة من الفرنسيين، البالغ عددهم زهاء 67 مليون نسمة، يقتنونها. ولقد ساهمت هذه النسبة الكبيرة، إضافة إلى ضغط جمعيّات الدفاع عن الحيوان، في التوصُّل إلى قوانين، ومشاريع قوانين جديدة، للتعامل مع الحيوان الذي يقف بجانبه أيضاً الأطفال الذين يعيشون معه تحت سقف واحد.

في موازاة هذا التحرّك السياسي اللافت حيال الحيوانات، نشط في السنوات الأخيرة العمل الأكاديمي المتعلّق بالشّرط الحيواني، وأصبح جزءاً من العلوم الاجتماعيّة والحقوق والفلسفة والتاريخ. ويتّضح في المجتمع الفرنسي كيف ينمو، بصورة لا سابق لها، هذا التيّار المتصالح مع الطبيعة والبيئة والحيوان. مع ذلك، لا يزال بعض العلماء والمفكّرين، ومنهم الفيلسوفة الفرنسيّة فلورانس بورغا التي تعمّقت في بحث هذا الموضوع في كتابها "البشريّة آكلة اللحوم"، يتحسّرون على المعاملة التي تتعرّض لها الحيوانات في المزارع والمسالخ. ولقد صرّحت بورغا مؤخّراً لصحيفة "لوموند": "نُفصح عن عدم تحمّلنا معاناة الحيوانات في حين تستمرّ أنماط الاستهلاك التي تعرّضهم لأسوأ معاملة". غير أنّ وعي هذه المسألة وسنّ قوانين بخصوصها سيرفعان مستوى الاهتمام بهذه الكائنات الحيّة التي يغتذي بها الإنسان وترافقه منذ أقدم العصور.

النظرة إلى الحيوانات ليست واحدة في ثقافات الشعوب. فثمّة تقاليد قديمة، كما في الهند مثلاً، تنحو منحى آخر مسالم في التعاطي معها، وتنادي بعدم ممارسة العنف حيالها. والدعوة إلى سنّ قوانين جديدة في هذا المجال، انطلاقاً من وعي جديد آخر للعلاقة بين الإنسان والحيوان، سبق أن أشار إليه منذ القِدَم مفكّرون وفلاسفة إغريق، وهم نادوا أيضاً، منذ 2500 سنة، بحقوق الحيوان وبأنّ الإنسان ليس سيّد الطبيعة كما يُخيَّل إليه، وليس من حقّه أن يفعل ما يشاء ببقيّة الكائنات، لأنّ التصرُّف غير المحسوب سيؤدّي إلى خلل في النظام البيئي.

أعود، هنا، إلى هذه الواقعة المُعبِّرة: في العام 1958، دعا ماو تسي تونغ إلى إبادة عصافير الدّوري باعتبارها "عدوّ الشّعب الصّينيّ" لأنّها تأكل الحبوب وتسرق الثّمار. جاء على لسانه: "بعد أن دمّرنا الأعداء المسلّحين، لا بدّ من تدمير الأعداء غير المسلّحين القادرين على خوض حرب مميتة ضدّنا". كان يقصد بهؤلاء الأعداء عصافير الدّوري الحاضرة في الأعمال الفنّيّة الصّينيّة القديمة بصفتها رمزاً للأمل والسّعادة.

مئات الألوف من الصّينيّين، ومن ضمنهم عدد كبير من جيش التّحرير الشّعبيّ الصّينيّ، وعمّال المصانع والطّلّاب، تحرّكوا معاً لتصفية هذه القوّة الطّائرة "المعادية للثّورة". إلاّ أنّ إبادة هذه العصافير الّتي كانت تتكفّل القضاء على الحشرات والطّفيليّات، أفسدت المواسم الزّراعيّة وأدّت إلى مجاعة أودت بحياة ملايين الصّينيّين.

تكشف هذه الواقعة إذاً أنّ هناك توازناً بيئياً تنبغي المحافظة عليه حفاظاً على الحياة نفسها، والعلاقة بين الإنسان والحيوان تحتاج إلى وعي أعمق، وهذا ما بدأت تدركه بعض الدول الغربيّة خصوصاً في العقدين الأخيرين، مع تأكيد العلماء بأنّ استباحة الحيوان والبيئة بالطريقة السائدة التي أوصَت بها بعض النصوص الدينيّة، لا تُسفر إلاّ عن مزيد من الخطر الذي يتهدّد البشر على هذه الأرض. ووباء كورونا الذي ترك علينا أثره المدوّي ليس إلاّ نتيجة لتلك الاستباحة التي استمرّت طويلاً وهدّدت ولا تزال النظام البيئي بأكمله.

وفقاً لما تقدّم، يمكن القول إنّ المصالحة بين الإنسان والحيوان لا تقلّ أهمّية عن المصالحة بين الإنسان والإنسان. وإذا كانت المصالحة بين البشر هي مسؤولية الأطراف المتنازعة، فإنّ المصالحة مع الحيوان هي مسؤوليّة ملقاة على عاتق البشر أوّلاً وآخراً، ويتوقّف على هذه المصالحة مستقبل الحياة على الأرض.