لسنوات طويلة، كانت سوريا بالنسبة إلى إيران أكثر من حليف سياسي. كانت الحلقة الأساسية في الممرّ الذي يبدأ من طهران، يعبر بغداد ودمشق، وينتهي في بيروت وعلى شاطئ المتوسط. على هذا الممرّ بنت إيران جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي، ومن خلاله ربطت ساحات ما عُرف بمحور المقاومة أو الممانعة. اليوم، الجغرافيا نفسها موجودة، لكن وظيفتها تغيّرت.
بعد سقوط نظام بشار الأسد، والحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، تحاول واشنطن وحلفاؤها إعادة استخدام هذه الجغرافيا ضمن معادلة معاكسة تمامًا. والمفارقة أن الطريق الذي كان رمزًا للنفوذ الإيراني قد يتحوّل إلى أحد الأدوات المستخدمة للحدّ منه أو حتى الانقضاض عليه.
من هنا، يُمكن قراءة مشروع خط الأنابيب بين البصرة وميناء بانياس السوري. المشروع المدعوم من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يختصر فقط مسافة نقل النفط العراقي إلى المتوسط، بل يفتح ممرًّا استراتيجيًا يتجاوز مضيق هرمز، أي إحدى أهمّ أوراق الضغط التي تمتلكها طهران.
فالحرب الأخيرة أثبتت مجدّدًا أن قوّة إيران لا ترتبط فقط بصواريخها أو برنامجها النووي أو حلفائها في المنطقة. موقعها الجغرافي بحدّ ذاته ورقة قوّة. فمجرّد قدرتها على تهديد الملاحة في هرمز كافٍ لوضع دول الخليج والأسواق العالمية تحت الضغط. وبالتالي، فإنّ تقليص الاعتماد على هرمز يعني أيضًا تقليص قدرة إيران على تحويله إلى ورقة تفاوضية كلّما ارتفع مستوى المواجهة. لكنّ الأهمّ هو أين يمرّ البديل: من العراق إلى سوريا.
هنا يصبح المشروع سياسيًا بامتياز. فسوريا التي كانت حتى سنوات قليلة إحدى أهمّ ركائز المشروع الإيراني، يُراد لها اليوم أن تدخل تدريجيًّا في منظومة مصالح مختلفة، تجمع الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا. ودعم واشنطن لحكومة الرئيس أحمد الشرع ورفع العقوبات ثمّ تشجيع استثمارات أميركية وغربية كبرى، كلّها خطوات تجعل تثبيت النظام السوري الجديد جزءًا من إعادة تشكيل التوازن الإقليمي.
حتى عبارة المبعوث الأميركي توم برّاك عن جعل هرمز تفصيلًا ثانويًّا تتجاوز بُعدها النفطي. فإذا باتت هناك طرق بديلة تمتدّ من الخليج والعراق إلى المتوسط، تخسر طهران تدريجيًّا جزءًا من قدرتها على ربط أمن الطاقة العالمي بأمنها ومصالحها. إلّا أنّ رسم الخطوط على الخرائط أسهل من فرضها على الأرض.
فالممرّ المفترض يعبر العراق، حيث لا يزال النفوذ الإيراني حاضرًا بقوّة من خلال الفصائل المسلّحة، ثمّ يدخل سوريا، التي لم تستكمل سلطتها الجديدة تثبيت سيطرتها الكاملة بعد، فيما لا يزال خطر "داعش" قائمًا. وهذا يعني أن نجاح المشروع لن يتوقّف على بناء الأنابيب، بل على من يُسيطر فعليًّا على الأرض المحيطة بها.
وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع واشنطن وحلفاؤها بناء ممرّ استراتيجي جديد في منطقة كانت حتى وقت قريب جزءًا من المجال الحيوي الإيراني؟ المسألة لا تتوقّف عند النفط. مشاريع السكك الحديدية والطرق والغاز، التي تُطرح بين سوريا وتركيا والعراق والخليج، تشير إلى محاولة أوسع لإعادة سوريا إلى قلب حركة العبور بين الخليج وأوروبا.
وبذلك، قد تكون الخسارة الأكبر لإيران بعد سقوط الأسد ليست فقط خسارة حليف في دمشق، بل خسارة وظيفة سوريا نفسها داخل مشروعها الإقليمي. فالممرّ الذي استخدمته طهران لسنوات للوصول إلى المتوسط قد يصبح اليوم ممرًّا تستخدمه واشنطن وحلفاؤها للالتفاف على إيران. إنّها الجغرافيا نفسها، لكن بخريطة نفوذ جديدة.