الخناق الأميركي على إيران يُغري إسرائيل بالحسم

6 دقائق للقراءة
جانب من معرض عن ضحايا النظام الإيراني في واشنطن أمس (أ ف ب)

كوّنت واشنطن قناعة بأن التفاوض مع النظام الإيراني ومحاولة التوصّل إلى اتفاق دبلوماسي معه مضيعة للوقت، في ظلّ رفضه الحديث عن أيّ من الملفات الرئيسية الشائكة واستمرار هجماته الإرهابية ضدّ دول الخليج والأردن والملاحة في مضيق هرمز. لكن في الوقت نفسه، لا يرى البيت الأبيض مصلحة أو أفقًا للعودة إلى العمليات العسكرية الكبرى ضدّ إيران. لذلك، باتت الاستراتيجية الأميركية تعطي الأولوية لخنق النظام الإيراني اقتصاديًا وسحب ورقة هرمز من يده، إذ تركّز واشنطن أخيرًا على ضرب أهداف إيرانية حول هرمز لتقويض قدرات "الحرس الثوري" تدريجيًا ومنهجيًا على استهداف الملاحة، بالتوازي مع تنفيذ عمليات مرافقة للسفن التجارية عبر المضيق، والإبقاء على الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، فضلًا عن تشديد عزلة النظام الإيراني عبر عملية "المنبوذ الاقتصادي".

أما إسرائيل، فلا تزال تعتبر أن إسقاط النظام الإيراني هو الخيار الأمثل لحسم المواجهة بشكل جذري، إذ اعتبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال فعالية مع قادة عسكريين إسرائيليين أمس، أن نظام الملالي أصبح أضعف من أي وقت مضى. وقال: "أنا مقتنع بأننا نستطيع إسقاط هذا النظام. وهذه هي المهمّة المركزية التي لا تزال أمامنا، لكنّها باتت قريبة. إنها في متناول اليد". وحذّر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن هجومًا إيرانيًا على إسرائيل من شأنه أن يزيل "كافة القيود" القائمة على بلاده، متوعّدًا بتعطيل "كامل البنية التحتية العسكرية والمدنية الوطنية لإيران، بما في ذلك البنية التحتية للطاقة". كما هدّد بإعادة إيران إلى "غياهب العصر الحجري والظلام". وأوضح أن ثمّة مؤشرات تدلّ على أن الضغوط الاقتصادية الشديدة التي يرزح تحتها النظام الإيراني، وخشيته من اندلاع انتفاضة تسقطه، قد تدفعه إلى اتخاذ "خطوات يائسة".

في الغضون، نشر الرئيس الأميركي دونالد ترامب صورة على منصّته "تروث سوشال" تظهر أن حجم نقل النفط حاليًا عبر هرمز يبلغ 18 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب. وأعاد نشر مادة من صحيفة "واشنطن بوست" تناولت طرح سوريا كبديل لهرمز، معتبرًا أن "هذا رائع!". وتحدّث نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن عبور نحو 15 مليون برميل نفط عبر هرمز الأربعاء، جازمًا بأن بلاده لن تفاوض إيران ما لم تتوقّف عن إطلاق النار على السفن. وكانت شبكة "سي أن أن" قد أفادت بأن القوّات الأميركية رافقت 40 سفينة تجارية تحمل 18 مليون برميل من النفط عبر هرمز الثلثاء، في رقم هو الأعلى منذ بدء الحرب، بالتزامن مع تبادل أميركا وإيران الضربات يومذاك. ويتوقّع الجيش الأميركي مواصلة تنفيذ ضربات هجومية قرب المضيق لأن إيران أظهرت قدرة على إعادة بناء قدراتها، وفقًا لـ "سي أن أن".

في المقابل، تجاهلت إيران مجدّدًا تهديدات ترامب، مستهدفة الكويت بصواريخ وطائرات مسيّرة أمس. وتوعّد قائد "الحرس الثوري" أحمد وحيدي بالثأر لأربعة أشخاص قُتلوا خلال حفل زفاف في جنوب البلاد الثلثاء، في ضربة حمّلت طهران واشنطن مسؤوليتها، بينما قال فانس إن بلاده تحقّق في الواقعة، لكنّها تشكّك في رواية طهران. وأفادت وسائل إعلام إيرانية بمقتل ستة من عناصر بحرية الجيش الإيراني وثلاثة طيارين عسكريين في ضربات الثلثاء. وذكر النائب الأوّل للرئيس الإيراني محمد رضا عارف أن الهجمات الأميركية الأخيرة غيّرت حسابات طهران الأمنية وعقيدتها الدفاعية، متوعّدًا بأنه "من الآن فصاعدًا، سيكون ردّنا غير متماثل ومتعدّد المستويات، وسيحرم المعتدي من الأمن".

وفيما قال عارف إن "على الأميركيين التفكير في تخزين البنزين والوقود. فهناك أشهر قاتمة تنتظر الاقتصاد الأميركي"، أفادت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة المستوى لوكالة "رويترز" بأن أحدث العقوبات الأميركية قوّضت قدرة النظام الإيراني على الالتفاف على العقوبات، ولم يتبقَّ له سوى القليل من القنوات لتأمين العملات الأجنبية أو شراء السلع، في وقت يتراجع فيه الريال الإيراني إلى مستويات متدنية غير مسبوقة. كما لا تملك البلاد سوى مخزونات من البنزين تكفي لشهرين إضافيين فقط. وأقرّت وزارة النفط الإيرانية بأن "للحصار البحري تأثيرًا على نقل النفط وتسليمه للعملاء". وبعدما بدأت واشنطن فرض عقوبات ثانوية ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، حضّت بكين واشنطن على التصحيح الفوري "للممارسات الخاطئة" ورفع العقوبات المرتبطة بإيران المفروضة على الشركات والمواطنين الصينيين المعنيين، بينما أوضح فانس أن الصينيين مستعدّون للتعاون في عزل إيران اقتصاديًا.

وفي سياق التنسيق المستمرّ بين واشنطن وحلفائها بشأن المواجهة مع طهران، تلقّى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد اتصالًا من ترامب، تبادلا خلاله وجهات النظر حول التطوّرات في المنطقة. وكان موقع "أكسيوس" قد أفاد بأن مستشار الأمن القومي الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد التقى المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في جزيرة سردينيا بالبحر المتوسط الأسبوع الماضي لبحث الخطوات المقبلة بشأن إيران.

أما في إطار القمع الآخذ في الاشتداد داخل إيران، فقضت محكمة إيرانية بإعدام شاب تعرّض خلال احتجاجات عام 2022 لإصابة أفقدته إحدى عينيه. وكان الشاب قد تعالج في ألمانيا، حيث شارك في تحرّكات مناصرة لولي العهد الإيراني السابق رضا بهلوي، قبل أن يُعتقل فور عودته إلى إيران هذا العام. وأكد مكتب بهلوي أن الشاب دين بـ "اتهامات لا أساس لها"، وهو يُمثّل "جيلًا شجاعًا من الإيرانيين الذين يقفون ضدّ الجمهورية الإسلامية". وأحصت منظمات حقوقية تنفيذ إيران 29 حكمًا بالإعدام خلال الأشهر الأخيرة بحقّ مدانين على خلفية احتجاجات كانون الأوّل وكانون الثاني الماضيين، بالإضافة إلى مدانَيْن على خلفية احتجاجات عام 2022.

يمنيًا، يحاول المتمرّدون الحوثيون توسيع رقعة سيطرتهم إلى المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب، فقد قُتل نحو 25 شخصًا في اشتباكات بين قوات الحكومة الشرعية والحوثيين أمس، بعدما شنّ الحوثيون هجومًا واسعًا في كلّ المحاور والجبهات على امتداد الساحل الغربي لتحقيق تقدّم نحو باب المندب والمناطق الخاضعة للقوّات الحكومية، وفقًا لوكالة "فرانس برس".