في مسلسل "فوضى"، يقول الإسرائيلي المستعرب لمفاوضه من حركة "حماس" إن "زمن مقايضة أسير إسرائيلي بمئة أسير فلسطيني ولَّى وانتهى". وفي مشهد آخر، يقول أحد "أبطال حماس" لمساعده إنه بصدد التخطيط لعملية كبيرة تهز إسرائيل وتدفعها نحو حرب إقليمية واسعة تقلب الموازين وتجر إيران إلى الدخول فيها ميدانيًا.
المفارقة أن المسلسل عُرض قبل أعوام من عملية "طوفان الأقصى" وما استتبعته من حروب إسناد وتوسّع جبهات ألهبت المنطقة، ما يعني أن كاتبي القصة والسيناريو لم يعتمدا الخيال، وإنما تابعا التغييرات والتطورات في الأساليب الإسرائيلية، وصولا إلى شن حروب إبادة ما أن تتوفر لها ذريعة لتبرير سياستها العدوانية التوسعية.
والمفارقة أيضًا أن التطورات الميدانية منذ عملية "طوفان الأقصى" أظهرت أن التكتيك الإسرائيلي استخدم أسلوب التضخيم لقوة وخطر من يريد إبادتهم، وتحديدًا حركة "حماس" و"حزب الله"، وصولا إلى مصادرة كل منهما السلطة في منطقة نفوذه، على ما بيّنت الأعوام الماضية. وبعد هذه الجرعات من الاستقواء، والإفراط في التسلح إلى حد الانتفاخ، تبيّن أن العدو يراقب عن كثب ويخترق ويتجسس، وعندما توفرت الذريعة قضى على الحركتين بضربات قاضية، يبدو أن لا قيامة بعدها. في حين أن لا "حماس" ولا "حزب الله" أجادا قراءة هذه التغييرات، واستمرا في المراهنة على أن إسرائيل لا تزال كما كانت عند لحظة انتهاء حرب تموز 2006، أو حروب غزة السابقة.
"حماس" فهمت الدرس وأقرّت بخسارتها النهائية لقطاع غزة، وأظهرت بعض الواقعية في التعامل مع هزيمتها المتواصلة، وهي تحاول الاستفادة من المفاوضات لتنشئ وضعًا جديدًا قوامه التحول إلى حزب سياسي، لتضمن بقاءها.
أما في لبنان، فنرى أن "حزب الله" لا يزال يرفض الإقرار بواقعه الحالي، ولا يزال يوحي بأنه قادر على مواجهة إسرائيل، التي طردته من "علي الطاهر"، ويصرّ على تبرير هذه الهزيمة الجديدة بأسلوب قديم مهترئ، فتورد أبواقه أن "سقوط التلة كان متوقعًا، وقد استبق "الحزب" العدو، فسحب عناصره وأسلحته من الأنفاق، بعد إفشال محاولات العدو الفاشلة لاقتحامها"، مع إشارة إلى أن "المنشآت العسكرية في علي الطاهر ليست قتالية بالأساس، إذ صُمّمت لأغراض لوجستية وللقيادة والاتصال والاحتماء، لا لخوض المعارك من داخلها".
بالمختصر، أعلن "الحزب" أن التلة ليست مهمة بالمفهوم العسكري، وقبل أيام كان يُصرّ على أنها قلعة الصمود والتصدي، ويراهن على أن إيران ستنبري للدفاع عنها. لكن إيران قايضت على سلامة عناصرها فقط، ليواصل خطاب الانتصار ورفض التخلي عن السلاح والجهوزية لاستئناف المواجهة من أماكن أخرى، وكأنه بذلك يثبت ضعف الدولة وعجزها عن التصرف حياله وبسط سيادتها، ويستدعي المزيد من التوسع الإسرائيلي إلى مساحات جديدة، غير عابئ بما يستجرّه على لبنان من استمرار للوحشية والتوسع الإسرائيليين.
وكأن "فوضى علي الطاهر" لا تكفي...