إستال خليل

عفارة وفيوتي... فصل أوبرالي جديد في لبنان

6 دقائق للقراءة

في أمسية تحمل لبنان إلى رحابة المشهد الأوبرالي العالمي، يستعدّ "مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا (BIOFC)" لتقديم أول حفل من نوعه في لبنان والشرق الأوسط، يجمع الميتزو-سوبرانو السويسرية الحائزة جائزة "Grammy" مارينا فيوتي (Marina Viotti)، وفرقة "Les Solistes de Beyrouth"، مع التينور والمؤلف الموسيقي الفرنسي أمبرواز ديفاريه (Ambroise Divaret)، بمشاركة أوركسترا سيمفونية لبنانية، غدًا، الثلثاء في 8 أيلول 2026، الساعة 8:30 مساءً، على "مدرج زوق مكايل".

يتولى قيادة الحفل مؤسس المهرجان ومديره الفني الباريتون والمايسترو فرناندو عفارة، في لقاء موسيقي يجمع أصواتًا وخبرات لبنانية وعالمية ضمن برنامج أوبرالي متنوع.


يمثّل هذا الحفل بالنسبة إلى فرناندو عفارة "لحظة تأسيسية لمشروع حلمتُ به منذ فترة طويلة، هو "مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا". فالوقوف على المسرح في هذه المناسبة كمؤسس ومدير فني للمهرجان وقائد للأوركسترا، في أمسية تجمع فنانين عالميين ولبنانيين، يحمل لي معنى شخصيًا وعاطفيًا كبيرًا"، يقول عفارة في حديثه مع "نداء الوطن".

المشروع يجمع، إلى الموسيقيين اللبنانيين، مشاركين من سوريا وفرنسا وسويسرا وروسيا ومصر، في خطوة يرى عفارة أنها "تكتسب أهمية إضافية في بلد مرّ بصعوبات كثيرة، ولا سيّما لناحية إبقاء الموسيقيين على المسرح وخلق فرص عمل فنية". بالنسبة إلى عفارة، "الثقافة ليست ترفًا، خصوصًا في الأوقات الصعبة. والموسيقى تذكّرنا بمن نحن، وبقدرتنا على الاستمرار وخلق أمر جميل، فمن بين الخطوات المستقبلية للمشروع العمل على تأسيس أوركسترا خاصة بالمهرجان".

أراد عفارة أن يكون البرنامج "احتفاليًا وإنسانيًا في الوقت نفسه، فالأوبرا ليست أصواتًا عظيمة وتقنيات غنائية فحسب، بل عالم من المشاعر والأحاسيس والدراما والجمال والحكايات الإنسانية، من الأساطير والقصص الواقعية إلى التراجيديا والكوميديا. لذلك يتنقل برنامج الأمسية بين الأوبرا الإيطالية والفرنسية والأوبريت، وبين حالات موسيقية تتدرج من الخشوع والحميمية إلى القوة والاحتفال والحب".

يضم برنامج الحفل مقطوعات من "Cavalleria Rusticana" (الفروسية الريفية) لبيترو ماسكاني، وأعمالا لجياكومو بوتشيني، و"La Traviata" (المرأة الساقطة) لجوزيبي فيردي، وصولا إلى "Carmen" لجورج بيزيه، التي تشكل محطة أساسية مع مغنية الأوبرا الميتزو-سوبرانو مارينا فيوتي، التي أدت هذا الدور على مسارح عالمية. كذلك تحضر في برنامج السهرة "La Périchole" (المغنية اللعوب) لجاك أوفنباخ، بمشاركة فيوتي والتينور أمبرواز ديفاريه والكورس والأوركسترا، في عمل يجمع الفكاهة والحب والاحتفال والقوة.


مارينا... حضور وكاريزما

وتكتسب انطلاقة المهرجان بعدًا خاصًا مع مشاركة مارينا فيوتي، إذ يقول عفارة: "تجمعني بمارينا زمالة وصداقة تعودان إلى دراستنا العليا معًا في لوزان في سويسرا. تعاونّا بعدها في عدد من الأعمال، وكانت لدينا دائمًا فكرة تنفيذ مشاريع كبيرة معًا. مارينا فنانة استثنائية، ليست فقط ميزو-سوبرانو ذات قدرات صوتية كبيرة جدًا، بل شخصية فنية تتمتع بحضور وكاريزما وطاقة تشد الجمهور من اللحظة الأولى حتى الأخيرة".

ويشير عفارة إلى أنه لمس ذلك من خلال الأعمال التي جمعتهما والعروض التي شاهدها لها على مسارح أوروبية، ومنها "Théâtre des Champs-Élysées" في باريس، معتبرًا أن "مشاركتها تضيف إلى المهرجان بعدًا دوليًا وتفتح جسرًا بين لبنان والمشهد الفني العالمي".

أما على مستوى التنفيذ، فيشدد فرناندو عفارة على أن "التحدي الأساسي في قيادة الأوركسترا يكمن في تحقيق التوازن مع الصوت الغنائي. فالأوركسترا تمتلك قوة كبيرة وألوانًا موسيقية هائلة، لكن هذه القوة لا ينبغي أن تطغى على صوت المغني. هناك مواضع تعلو فيها وأخرى تكون فيها مرافقة، وعليها أن تؤدي مختلف التدرجات والديناميكيات".

ويضيف أن خبرته كمغنٍ منحته حساسية خاصة تجاه احتياجات الصوت، معتبرًا أن "المغني ليس عنصرًا منفصلا، بل جزء من النسيج الموسيقي".

وفي هذا النسيج، تشكل فرقة "Les Solistes de Beyrouth"، بحسب عفارة، "جزءًا أساسيًا لا يتجزأ من المشروع. فهي كورس الأوبرا الأساسي للمهرجان، فيما يتمتع أعضاؤها بقدرات تتيح لهم الغناء المنفرد أيضًا". ويوضح أن "العمل يتركز على توحيد التنفس والنطق والعبارات والأسلوب بين الكورس والأوركسترا وفيوتي، حتى يشعر الجمهور بأنه أمام كيان واحد رغم تعدد الموسيقيين والمغنين".

أما اختيار "مدرج زوق مكايل" لاستضافة الحفل، فيرتبط، بحسب عفارة، بطبيعة التجربة التي يريد تقديمها للجمهور: "هو مدرج مميز يجمع البعد التاريخي وجمال المسرح المفتوح والقدرة الاستيعابية الكبيرة. أردنا أن تكون الأوبرا في فضاء مفتوح، كي يشعر الجمهور بأن هذا الفن ليس محصورًا في الصالات المغلقة، بل يمكن أن يكون احتفالا جماعيًا كبيرًا لمختلف الفئات العمرية".

ولا يفوت عفارة هنا التوجه بالشكر إلى بلدية زوق مكايل على تعاونها ودعمها للمهرجان، خصوصًا رئيسها الياس البعينو الذي احتضن المشروع.


أبعد من النخبوية

علاقة فرناندو عفارة بالموسيقى تعود إلى طفولته. بدأ بدراسة البيانو في سن مبكرة، قبل أن يتجه في السابعة عشرة إلى الغناء الأوبرالي ويتابع دراسته في "المعهد الوطني العالي للموسيقى"، ثم في ليون ولوزان وجنيف. ومع تأسيسه وإدارة "Les Solistes de Beyrouth"، توسّع اهتمامه بقيادة الأوركسترا، فعمل على تطوير نفسه مع أساتذة من إيطاليا وفرنسا. يقول: "تحوّلت قيادة الأوركسترا إلى شغف والتزام ودراسة دائمة، لأن الإنسان ينبغي أن يستمر دائمًا في تطوير ذاته".

ويختم عفارة حديثه بدعوة من لا يستمعون عادة إلى الأوبرا إلى اكتشافها بعيدًا عن الصورة النخبوية المرتبطة بها، قائلا: "الأوبرا ليست فنًا نخبويًا، بل إنساني يتناول مشاعر كل واحد منا. الحب والغضب والغيرة، كلها أحاسيس نفهمها ونعيشها مع الفنان عندما يؤديها بصدق. فلنخرج قليلا من المألوف ونلتقِ حول الفن، ليس فقط لكي ننبهر، بل لكي نشعر ونعيش معًا لحظة تجمعنا".

وبين طموح تأسيس مشروع أوبرالي مستدام والانفتاح على تجارب موسيقية عالمية، يراهن الباريتون والمايسترو فرناندو عفارة على قدرة الثقافة على الاستمرار وصناعة الجمال حتى في أصعب الظروف. هكذا، من "مدرج زوق مكايل"، يخطو "مهرجان ومسابقة بيروت الدولية للأوبرا" أولى خطواته، حاملا طموحًا يتجاوز حدود أمسية واحدة نحو ترسيخ حضور الأوبرا في لبنان وفتح أبوابها أمام جمهور جديد. فهل تنجح هذه الانطلاقة في تحويل الحلم الأوبرالي إلى مشروع ثقافي مستدام يضع لبنان مجددًا على خريطة الأوبرا العالمية؟