المشكلة في مشروع موازنة 2027 أن الدولة لا تزال عاجزة عن تحويل موازنتها إلى أداة للخروج من الأزمة.
صحيح أن إنجاز مشروع الموازنة وإحالته في الموعد الدستوري يشكل تطوراً إيجابياً. وصحيح أيضاً أن المشروع لا يتضمّن عجزاً، وأن الإيرادات تساوي النفقات. لكن ذلك لا يكفي للادعاء، أننا امام موازنة للنهوض والتعافي. مع تسجيل ايجابية اضافية، من خلال دمج الزيادات على رواتب موظفي القطاع العام ضمن الموازنة، بدلاً من ربطها بضرائب مخصّصة، لأن تخصيص إيراد ضريبي لتمويل إنفاق مُحدّد ليس ممارسة سليمة في إدارة المالية العامة.
أرقام الموازنة التي لا تتجاوز الـ7 مليار دولار في الاتجاهين، الانفاق والايرادات، لا تجيب عن السؤال الأهم: هل تستطيع هذه الموازنة أن تساعد لبنان على الخروج من أزمته المالية؟
المشكلة لا يمكن حصرها في غياب العجز، بل في غياب الفائض الذي يمكن أن يتيح للدولة تسديد جزء من ديونها والتزاماتها. هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في ضوء مشروع قانون الفجوة المالية، إذ إن قدرة الدولة على المساهمة في إعادة الودائع إلى أصحابها ستبقى مرتبطة، في جزء منها، بقدرتها على تأمين موارد مالية حقيقية.
أما القول إن موازنة 2027 خالية من الضرائب الجديدة، فيحتاج إلى قراءة أكثر دقة. فالضرائب والرسوم فُرضت فعلياً قبل ولادة هذه الموازنة: 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين، والضريبة البيئية، والرسم على الاستيراد البالغ أربعة بالألف، وهو رسم مبتكر وارد في مشروع الموازنة، وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كانت الموازنة تتضمّن ضرائب جديدة، بل ما إذا كانت هذه الضرائب ستنتج ايرادات فعلية، وكيف سيكون تأثيرها على الاقتصاد والناس.
وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية. فالحكومة تتوقع زيادة الإيرادات بنحو 840 مليون دولار مقارنة بموازنة 2026، وتعزو جزءاً مهماً منها إلى تحسين الجباية. لكن تحسين الجباية لا يمكن أن يكون بديلاً عن النمو الاقتصادي. فإذا استمر الاقتصاد في الانكماش، كما حصل في 2026، يصبح تحقيق هذه الزيادة أكثر صعوبة.
من هذه الزاوية، تبدو موازنة 2027 أقرب إلى موازنة لإدارة الأزمة منها إلى موازنة للخروج منها. إنها تؤمّن استمرار الدولة، لكنها لا توفر موارد لمعالجة إرث السنوات الماضية.
الاستثناء الإيجابي هو تخصيص 60 مليون دولار لإعادة تفعيل المؤسسة العامة للإسكان. المبلغ غير كافٍ بالتأكيد، لكنه يمكن أن يشكل نقطة انطلاق. إذا أُنجز قانون الفجوة المالية وعادت المصارف إلى العمل الطبيعي، يمكن إعادة تجديد التعاون بينها وبين المؤسسة، وعندها قد تستعيد القروض السكنية زخمها تدريجياً. وهذا ليس تفصيلاً صغيراً. فبعد سبع سنوات من توقف القروض السكنية، لم تعد المسألة اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة اجتماعية مزمنة. وإعادة إطلاق التمويل السكني يمكن أن تكون واحدة من الأدوات القليلة القادرة على تحريك سوق العقارات، ودعم الطبقة الوسطى، وإعطاء آلاف اللبنانيين فرصة العودة إلى امتلاك منزل.
لكن ذلك كله يبقى مشروطاً بالخروج من أصل الأزمة: إقرار قانون لتسديد الودائع، وإعادة الثقة. ومن دون ذلك، ستبقى موازنة 2027، مهما بدا انتظامها أفضل من السابق، مجرد موازنة تدير الأزمة ولا تنهيها.