هشام بو ناصيف

إيران: خيارات أميركا

3 دقائق للقراءة

دخلت المواجهة الأميركيّة - الإيرانيّة مرحلة يبدو أنّها مرشّحة لأن تطول: اشتباك مضبوط من دون حرب شاملة ولا تسوية. المشهد اليوم هو التالي: تحاصر البحريّة الأميركيّة الموانئ الإيرانيّة وتمنع تصدير النفط، مع إبقاء الحدّ الأدنى من تدفّقه عبر مضيق هرمز. ويستمرّ التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران، فيما تتحوّل التهديدات من حين إلى آخر إلى صدامات عسكريّة محدودة.

الأرجح أنّ هذا الستاتيكو سيستمرّ. فهو، رغم كلفته، يحقّق للولايات المتّحدة تقدّمًا بالنقاط، بعدما سقط رهان الضربة القاضية السريعة للنظام الإيراني، الذي حرّك إدارة ترامب في الأسابيع الأولى للحرب.

نظريًّا، أمام واشنطن اليوم خياران لتغيير الوضع: التراجع ورفع الحصار من دون مكاسب، أو تصعيد المواجهة عسكريًّا إلى مستوى دراماتيكي. عمليًّا، لا يبدو أيّ منهما مرجّحًا.

التراجع صعب. فإدارة ترامب لا تستطيع التسليم بمطالب النظام الإيراني، لأنّ إذلال أميركا في الخارج ستكون له كلفة سياسيّة في الداخل. ما زالت صور الانسحاب الأميركي الفوضوي من مطار كابول تلاحق إدارة الرئيس السابق جوزف بايدن إلى الساعة، وقد استخدمها الجمهوريّون سلاحًا سياسيًّا ضدّ الديموقراطيّين، رغم أنّ مفاوضات الانسحاب مع طالبان بدأت في عهد ترامب نفسه.

من الصعب أن يسمح ترامب للديموقراطيّين باستخدام السلاح ذاته ضدّه، عنيت تصويره كرئيس خسر حربًا وأذلّ الولايات المتّحدة. هذا علمًا أنّ الهزيمة أمام إيران، لو حصلت، ستكون في نظر الأميركيّين أخطر بكثير من تسليم أفغانستان لطالبان.

لكنّ التصعيد الكبير ليس خيارًا جذّابًا بدوره. الحملات الجويّة لم تنجح في كسر النظام الإيراني. هي مكلفة، ولا دليل على أنّ توسيعها سيؤدّي إلى نتيجة مختلفة. أمّا الغزو البرّي، فشبه مستحيل سياسيًّا ولو كان ممكنا عسكريًّا. لا ترامب يريد حربًا بريّة واسعة جديدة، ولا قاعدته الانتخابيّة التي أوصلته إلى البيت الأبيض على وعد بالابتعاد عن الحروب الخارجيّة، وخصوصًا في الشرق الأوسط.

المعضلة الأميركيّة، إذًا، واضحة: التراجع غير مقبول، والتقدّم السريع غير ممكن. ولذلك يبقى الستاتيكو.

ليس هذا سيّئا بالضرورة لواشنطن. فثمن المراوحة بنهاية المطاف أكبر على إيران منه على الولايات المتّحدة. ولا ينبغي المبالغة في قدرة طهران على استخدام مضيق هرمز للضغط على الاقتصاد الأميركي أو العالمي. لم نعد في عام 1973، الولايات المتّحدة اليوم منتج ومصدّر كبير للنفط، واقتصادها أكثر قدرة على امتصاص ارتفاع أسعاره. ثمّ أنّ الذكاء الاصطناعي حرّك بالاقتصاد الأميركي حيويّة جديدة مستمرّة، والمؤشّرات الاقتصاديّة الأميركيّة إيجابيّة عمومًا رغم ارتفاع أسعار النفط.

وفي المقابل، دخلت إيران الحرب وهي تعاني أصلا من أزمة اقتصاديّة واجتماعيّة عميقة. أوضاعها اليوم أسوأ بكثير.

لذلك، في لعبة عضّ الأصابع الحالية، تبدو إيران الطرف الأكثر عرضة للخسارة. وليس مطلوبًا من أميركا أن تنتصر سريعًا، يكفيها أن تتابع حصارها حتّى إشعار آخر. وفي مواجهة إيران، قد تكون أفضل استراتيجيّة أميركيّة اليوم هي ألّا تفعل شيئًا دراماتيكيّا. 

يبقى عامل واحد يجعل كلّ التقديرات هشّة: دونالد ترامب نفسه. فالرئيس الذي قد يفضّل المراوحة اليوم قد يغيّر رأيه غدًا. وشخصيّته المتقلّبة تبقي السيناريوهات مفتوحة.