طارق أبو زينب

فلول الأسد في لبنان: جيش ظل برعاية "حزب الله"

4 دقائق للقراءة
دوريات الجيش السوري على طول الحدود السورية - اللبنانية (أ ف ب)

لا تكمن خطورة الشبكة اللبنانية- السورية التي كشفتها التحقيقات الأمنية في عدد الموقوفين أو كمية الأسلحة المضبوطة، بل في المنظومة التي أتاحت لفلول نظام بشار الأسد الانتقال إلى لبنان والتحرّك بين عكار والبقاع والضاحية الجنوبية. فالمعطيات لا تتحدث عن أفراد فارّين يبحثون عن ملاذ، بل تكشف محاولة منظّمة لتأسيس "جيش ظل" يتخذ لبنان قاعدة للتمويل والتدريب وتخزين السلاح والتخطيط، قبل إعادة عناصره إلى سوريا أو استخدامهم في مهمات أمنية داخل لبنان.

وبحسب معلومات حصلت عليها "نداء الوطن" من مصادر سورية مطّلعة، وفّر "حزب الله" لعناصر النظام السابق الحماية والمأوى وحرية الحركة داخل مناطق نفوذه، فيما لا تزال عناصر مطلوبة للسلطات السورية تتسلّل إلى لبنان عبر الحدود. وتؤكد المصادر أن المخطط يقوم على إبقاء هؤلاء في جهوزية تسمح بتحريكهم عند الحاجة لتنفيذ عمليات أمنية وعسكرية، أو إثارة اضطرابات وتنفيذ اغتيالات.

وتشير المصادر إلى أن توقيف شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي خمسة أشخاص، بينهم ثلاثة سوريين ولبنانيان، يشكّل إنجازًا أمنيًا مهمًا، لكنه لا يكشف سوى حلقة محدودة من شبكة أوسع وأكثر تشعّبًا. فبحسب المعطيات، لا يزال عدد من فلول النظام السابق متوارين ويتحركون داخل سوريا، ويرتبطون بقنوات تنسيق مع أكثر من خمسين لبنانيًا يتولّون تسهيل عمليات التسلل والتهريب، وتأمين الاتصالات والتمويل، وربط المجموعات بعضها ببعض.

ووفق المعلومات نفسها، تُدار هذه الأنشطة عبر غرفة عمليات في الضاحية الجنوبية مرتبطة بـ"حزب الله" و"الحرس الثوري" الإيراني، ما ينقل الملف من شبكة تهريب محدودة إلى بنية أمنية عابرة للحدود، تمتلك التمويل والحماية والقدرة على التدريب والتخطيط والتحرك.

ومن أبرز الموقوفين العقيد السوري السابق مناف علي صافي، الذي اتخذ من عمله في مقهى قرب مفرق تلبيرة في عكار غطاءً لتحركاته ومراقبة الحدود. وأسفرت المداهمات عن ضبط رشاشات وبنادق قنص وقنابل يدوية وذخائر ومتفجرات، وهي ترسانة تشير، بحسب المصادر، إلى التحضير لعمليات تتجاوز الحماية الشخصية إلى تنفيذ مهمات نوعية واغتيالات وإثارة الفوضى. وهنا يبرز السؤال: هل كانت الأسلحة معدّة للاستخدام في الساحل السوري، أم خُصّص جزء منها لمهمات داخل لبنان؟

وبحسب المصادر السورية، يقود محمد جابر الشبكة من موسكو. وجابر، القائد السابق لميليشيا "صقور الصحراء"، معروف بقربه من بشار الأسد وشقيقه ماهر، وبصلاته بضباط في الحرس الثوري الإيراني. وتضيف المصادر أنه سبق أن نسّق مع عماد مغنية وقاسم سليماني، ما يضع الشبكة ضمن عملية منظّمة لإعادة وصل ضباط النظام السابق بعناصرهم، عبر خيوط تمتد من موسكو وطهران إلى الضاحية الجنوبية والبقاع وعكار.

أما الخيط الأخطر، فيتمثل في خضوع عناصر من الشبكة لتدريبات عسكرية على أيدي كوادر مرتبطة بـ"حزب الله" في البقاع، تمهيدًا لإعادتهم إلى سوريا لتنفيذ مهمات أمنية وعسكرية. وتقول المصادر إن إعادة التنظيم تجري بإيعاز إيراني، مستفيدة من بيئة يملك فيها "الحزب" السلاح والنفوذ والقدرة على توفير التمويل والتدريب والحماية بعيدًا من رقابة الدولة .

ولا تظهر الضاحية الجنوبية في هذا الملف عنوانًا جغرافيًا عابرًا، بل مركزًا للحماية والتواصل والتنسيق. فقد استفاد منها ضباط وعناصر دخل بعضهم مع عائلاتهم، وأقاموا وتحركوا بعيدًا من الرقابة، ما يفرض كشف الجهات التي نظّمت دخولهم وأمّنت مساكنهم واتصالاتهم وانتقالهم بين المناطق.

إن إعادة تجميع هؤلاء لا تحمي فلول النظام السابق فحسب، بل تعيد ترميم ما تبقى من التحالف الذي جمع الأسد وإيران و"حزب الله"، وتوظّف خبراتهم الأمنية والعسكرية ضد السلطات السورية الجديدة أو في الداخل اللبناني. وهكذا يتحول لبنان إلى منصة لتهديد دولة مجاورة، فيما يجد الفلول في الضاحية والبقاع وعكار مظلة للحماية وقواعد للتحرك.

وتقف الحكومة اللبنانية أمام اختبار يتجاوز توقيف مجموعة مسلحة. فإذا اكتفت بالحلقات المكشوفة وتركت من موّل ودرّب وحمى وخطّط، تحولت العملية إلى معالجة سطحية تُبقي رأس الشبكة خارج المحاسبة، وتهدد علاقة لبنان بسوريا الجديدة وثقته العربية والدولية.

فلا تستطيع بيروت مطالبة دمشق بضبط الحدود، فيما تُستخدم الأراضي اللبنانية لإعادة تنظيم مجموعات تستهدف الداخل السوري. وأي تردّد في استكمال التحقيق حتى كشف المموّلين والمدرّبين والجهات الحامية، يعني إبقاء "جيش الظل" قائمًا وترك أمن لبنان وسيادته رهينة لشبكة عابرة للحدود.