الدكتور سايد حرقص

فجر السيادة وساعة الحقيقة: جعجع يُعيد إحياء رؤية بشير الجميّل لبناء الدولة

3 دقائق للقراءة

أعاد رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع رسم حدود الموقف السياسي والشعبي في لبنان، مخرجاً القضايا الكبرى من المنطقة الرمادية إلى ساحة المواجهة المفتوحة على المستويات القضائية والسياسية والمالية والعسكرية. وبدا خطابه في «قداس الشهداء» بمثابة جردة حساب شاملة لا تكتفي باستحضار الماضي، بل تقدم، في جوهرها، نسخة عصرية ومؤسساتية من مشروع الرئيس الشهيد بشير الجميّل لبناء دولة قوية وحرة، وتضع أمام اللبنانيين خارطة طريق واضحة للخروج من زمن الدولة الفاشلة.

يرتكز الخطاب على سحب الذرائع وإسقاط الشعارات التي طالما وفّرت غطاءً رسميًا لمشاريع خارجية مشبوهة أضعفت الدولة وضربت أسسها. فمن المطالبة بالعدالة لشهداء «القوات اللبنانية»، وفي مقدّمهم رمزي عيراني وباسكال سليمان، والإشارة إلى علامات استفهام حول التواطؤ أو الإهمال الرسمي في القضيتين، إلى فتح ملف «الدولة العميقة»، وضع جعجع أجهزة النظام الأمني السابق وترسّبات الاحتلالين السوري المباشر والإيراني المقنّع تحت المجهر. ولم تكن الإشارة إلى «الاعترافات الأخيرة» لمسؤولين أمنيين سابقين أو القرارات الظنية مجرّد استحضار لحوادث أمنية، بل تأكيدًا على أن زمن الإفلات من المحاسبة يجب أن ينتهي، وأن دولة القانون لا تقوم من دون عدالة ومساءلة.

على الصعيد السيادي، جاء التشخيص واضحاً في الربط المباشر بين قيام الدولة وتفكيك القوى والشبكات العسكرية الموازية، وفي مقدمها سلاح «حزب الله» والمنظمات الفلسطينية. ورأى جعجع أن المعادلات التي حكمت لبنان لعقود سقطت عملياً، وأن تفكيك الأجنحة العسكرية والأمنية خارج الدولة، وفي طليعتها أجنحة «حزب الله»، ليس مطلباً خارجياً ولا ورقة تفاوضية قابلة للتأجيل، بل شرطاً أساسياً لقيام الدولة واستعادة سيادتها.

على الصعيد العسكري، انتقد جعجع مواقف قائد الجيش ومحاولاته التمايز عن السلطة السياسية، مؤكداً أن الجيش، وفقاً للدستور والقوانين، مؤسسة عسكرية وطنية تخضع لقرار السلطة السياسية المنتخبة وتلتزم بتنفيذ قراراتها، ولا تملك صلاحية تحويل نفسها إلى جهة سياسية مستقلة تحدد، من تلقاء نفسها، ما يجوز تنفيذه وما لا يجوز، أو تضع حدوداً لقرارات الحكومة وفق تقديرها الخاص

لم يستثنِ الخطاب الأداء الحكومي والمؤسساتي من النقد البناء، إذ اتسم بجرأة في تصويب مكامن الخلل رغم مساحات التقاطع مع العهد الحالي. فدولة المؤسسات لا تُبنى بالتسويات التي تؤجل الأزمات، ولا بالقرارات التي تبقى حبراً على ورق، بل بالالتزام بالدستور والصلاحيات، وحسم الملفات العالقة، وحماية حقوق المودعين، ومعالجة الانهيار المالي، وتطبيق قرارات الدولة بحزم ومن دون استثناءات أو محسوبيات.

إن ما طرحه سمير جعجع يضع لبنان أمام «ساعة الحقيقة»: فزمن استبدال الأفعال بالخطابات، والقرارات بالشعارات، والتسويات بتأجيل المواجهة، لم يعد قادراً على حماية الدولة أو إنقاذها. وفي حصيلة المشهد، يأتي الخطاب ليعيد قراءة ركائز مشروع «القوات اللبنانية» منذ عام 1982 ضمن رؤية سياسية ومؤسساتية معاصرة، مؤكداً أن الخروج من الدوامة يبدأ باستعادة الدولة لقرارها وسيادتها، وإنهاء كل سلطة موازية، وتفكيك شبكات المصالح والنفوذ، ووضع الجميع، من دون استثناء، تحت سقف القانون.

ففجر السيادة يبدأ عندما تمتلك السلطة شجاعة أن تمارس سيادتها كاملة، وأن يكون قرارها واحداً، وقانونها واحداً، وسلاحها واحداً، ومسؤوليتها التاريخية واحدة: حماية لبنان وبناء دولة حرة وقوية لا وصاية عليها ولا سلطة فوق سلطتها.